
اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال كلمة أمام مجلس منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) في باريس، تقديم صورة إيجابية عن حصيلة المغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة، مستعرضا سلسلة من الأرقام المرتبطة بالحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والاستثمار والصناعة والسياحة.
وفي الخطاب، بدت الحكومة حريصة على التأكيد أن المغرب تمكن، رغم الجائحة والتضخم والجفاف والاضطرابات الجيوسياسية، من مواصلة الإصلاحات والحفاظ على التوازنات الاقتصادية.
لكن خلف هذا العرض الرقمي، يظل السؤال الأكثر إلحاحا هو مدى انتقال هذه المؤشرات من مستوى الأرقام والمؤسسات والمشاريع إلى الحياة اليومية للمواطن، خصوصا في ظل استمرار ضغوط الأسعار، وارتفاع كلفة المعيشة، وتفاوت الولوج إلى الخدمات الأساسية.
51 مليار درهم للدعم.. لكن ماذا تغير في القدرة الشرائية؟
أبرز أخنوش أن الدولة صرفت 51 مليار درهم بين دجنبر 2023 ودجنبر 2025 لفائدة حوالي 4 ملايين أسرة، ضمن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، بمبالغ شهرية تتراوح بين 500 و1350 درهما.
وتقدم الحكومة هذا الورش باعتباره أحد أبرز التحولات الاجتماعية في ولايتها، باعتباره نقل منظومة الدعم من برامج متفرقة إلى دعم مباشر يستند إلى السجل الاجتماعي الموحد.
غير أن ضخامة الغلاف المالي لا تجيب وحدها عن سؤال النجاعة الاجتماعية. فارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية جعل جزءا من الدعم يتحول عمليا إلى آلية لمواجهة تآكل القدرة الشرائية، أكثر من كونه وسيلة لتحسينها بشكل مستدام.
ويعني ذلك أن نجاح الدعم الاجتماعي لا يقاس فقط بعدد الأسر المستفيدة وحجم الأموال المرصودة، وإنما أيضا بمدى قدرة هذه الأسر على الحفاظ على مستوى معيشي أفضل.
الحماية الاجتماعية تتوسع.. والخدمات ما زالت في دائرة الاختبار
وأكد رئيس الحكومة أن التأمين الإجباري عن المرض أصبح يشمل 11 مليون شخص من الفئات الهشة، إلى جانب إدماج 3,9 ملايين من العمال غير الأجراء والأشخاص القادرين على المساهمة.
ويشكل توسيع التغطية الصحية خطوة مهمة على مستوى عدد المستفيدين، لكن التحدي لا يرتبط بالتسجيل في المنظومة وحده، بل بقدرة المواطن فعليا على الحصول على العلاج في ظروف مناسبة وبكلفة معقولة.
وهو ما يفسر تركيز أخنوش على تأهيل المؤسسات الصحية، معلنا أن 1400 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية جرى تأهيلها، مع برمجة 1600 أخرى.
الصحة.. أرقام كبيرة أمام امتحان الواقع
تحدث أخنوش أيضا عن 20 مؤسسة استشفائية سيتم إنجازها أو تشغيلها خلال 2026، بطاقة إضافية تبلغ 3067 سريرا، فضلا عن 27 مستشفى آخر يفترض إتمامها بين 2027 و2029.
كما أشار إلى ارتفاع عدد الأطر الصحية من 17,4 إلى 25 إطارا لكل 10 آلاف نسمة، وارتفاع ميزانية الصحة بنسبة 115 في المائة منذ 2021.
لكن هذه الأرقام تفتح، في المقابل، أسئلة حول توزيع الموارد البشرية بين المدن والمناطق، وجودة الخدمات، وطول مواعيد العلاج والفحوصات، وقدرة القطاع العمومي على تقديم خدمة صحية تقلل حاجة المواطنين إلى اللجوء إلى القطاع الخاص.
ولذلك لم يكن صدفة أن يقر رئيس الحكومة نفسه بأن البنيات التحتية لا تكفي من دون الموارد البشرية.
التعليم.. المدارس الرائدة في مواجهة أزمة أوسع
في التعليم، ركز أخنوش على تجربة المدارس الرائدة، التي توسعت لتشمل 4626 مدرسة ابتدائية، على أن يصل العدد إلى 6626 مدرسة خلال الموسم الدراسي 2026-2027.
كما أشار إلى النتائج الأولية لمقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL)، وإلى انخفاض الهدر المدرسي في الإعداديات الرائدة من 8,4 إلى 4,45 في المائة.
وتبدو هذه النتائج إيجابية على مستوى المؤسسات التي شملتها التجربة، غير أن تعميمها يظل التحدي الأكبر، خصوصا أن إصلاح المدرسة العمومية لا يرتبط فقط بالمناهج وطرق التدريس، وإنما أيضا بالاكتظاظ، والبنيات المدرسية، والموارد البشرية، والفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.
الاستثمار.. 581 مليار درهم، ولكن كم يستفيد الاقتصاد المحلي؟
وفي الجانب الاقتصادي، قدم أخنوش أرقاما ضخمة حول الاستثمارات، مشيرا إلى موافقة اللجنة الوطنية للاستثمارات على 381 مشروعا بقيمة 581 مليار درهم، يفترض أن تساهم في خلق 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.
كما استند إلى ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 43,8 مليار درهم سنة 2024 إلى 56,1 مليار درهم سنة 2025.
وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام سؤال مواز: ليس فقط كم تبلغ قيمة الاستثمارات، بل ما نوعية فرص العمل التي تنتجها، وما مستوى أجورها، ومدى اندماجها في الاقتصاد الوطني، وحجم القيمة المضافة التي تبقى داخل المغرب.
السيارات.. نجاح تصديري أم تحدي القيمة المضافة؟
استشهد أخنوش بقطاع السيارات باعتباره نموذجا للتحول الصناعي، بعدما ارتفعت صادراته من 87,1 مليار درهم سنة 2021 إلى 154,5 مليار درهم سنة 2025، مع اقتراب الطاقة الإنتاجية من مليون سيارة سنويا.
لكن رئيس الحكومة نفسه أقر بأن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجاوز مجرد رفع حجم الإنتاج، نحو الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المضافة داخل المغرب.
وهنا تحديدا يكمن أحد الاختبارات الأساسية للنموذج الصناعي: هل يتحول المغرب تدريجيا من قاعدة إنتاج وتجميع إلى قاعدة صناعية تمتلك التكنولوجيا والهندسة والبحث والتطوير، أم يظل الجزء الأكبر من القيمة المضافة خارج البلاد؟
السياحة.. أرقام قياسية لا تلغي أسئلة الاستدامة
وسجل القطاع السياحي بدوره أداء قويا، بعدما بلغ عدد الوافدين نحو 19,8 مليون سائح، فيما وصلت العائدات إلى 138,1 مليار درهم.
لكن نجاح السياحة بالأرقام يظل بحاجة إلى أن يقاس أيضا بمردوده على الاقتصاد المحلي، وعدد الوظائف المستقرة التي يخلقها، ومدى استفادة المناطق السياحية من هذه الدينامية، فضلا عن كلفة السياحة بالنسبة إلى البنيات التحتية والموارد الطبيعية.
التوازنات الماكرو اقتصادية.. والامتحان الاجتماعي مستمر
حرص أخنوش في عرضه على الربط بين الإصلاحات الاجتماعية والانضباط المالي، مستشهدا باستعادة المغرب درجة الاستثمار من وكالة “ستاندرد أند بورز”.
وتريد الحكومة من خلال هذه المؤشرات التأكيد أن توسيع الإنفاق الاجتماعي لم يأت على حساب الاستقرار المالي والاقتصادي.
غير أن الاستقرار الماكرو اقتصادي، مهما كانت أهميته، لا يمثل في حد ذاته مؤشرا كافيا على تحسن الأوضاع الاجتماعية. فالمواطن يقيس الوضع الاقتصادي من خلال قدرته على تحمل كلفة السكن والغذاء والتعليم والصحة والنقل، ومن خلال فرص العمل والدخل والاستقرار المهني.
بين خطاب الأرقام واختبار الواقع
بهذا المعنى، قدم أخنوش أمام منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية رواية متكاملة عن مغرب الإصلاح: دعم اجتماعي مباشر، وتغطية صحية موسعة، ومستشفيات جديدة، ومدارس رائدة، واستثمارات ضخمة، وصناعة تصديرية وسياحة تسجل أرقاما قياسية.
لكن اكتمال هذه الرواية يظل رهينا بسؤال يتجاوز المؤشرات الحكومية: إلى أي حد يشعر المواطن بأن هذه التحولات انعكست فعلا على حياته اليومية؟
فبينما تراهن الحكومة على لغة الأرقام لتأكيد نجاح النموذج، يظل الحكم النهائي على الإصلاحات مرتبطا بقدرتها على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وخلق فرص شغل مستقرة، وحماية القدرة الشرائية.
وفي النهاية، قد تكون الأرقام قوية، وقد تكون المشاريع كبيرة، لكن الاختبار الأصعب لأي حكومة يبقى دائما: هل أصبح المواطن يعيش أفضل؟





