
عاد عبد الإله ابن كيران إلى واجهة المواجهة السياسية مع عزيز أخنوش، فاتحاً النار على رئيس الحكومة ومطالبا بمثوله أمام القضاء بسبب ملف المحروقات، ومتهما حكومته بسوء تدبير المال العام، في خطاب انتخابي حاول من خلاله تقديم العدالة والتنمية باعتبارها البديل القادر على استعادة «النزاهة» إلى تدبير الشأن العام.
السؤال المحرج لعبدالإله بن كيران
لكن هجوم ابن كيران على أخنوش يعيد في الوقت نفسه إلى الواجهة سؤالا محرجا لرئيس الحكومة السابق نفسه: من اتخذ قرار تحرير أسعار المحروقات؟
فالقرار الذي أنهى العمل بنظام تحديد أسعار المحروقات ودعمها عبر صندوق المقاصة دخل حيز التنفيذ في فاتح يناير 2016، خلال حكومة عبد الإله ابن كيران.
ومنذ ذلك التاريخ انتقلت أسعار البنزين والغازوال إلى منطق السوق، لتصبح تقلبات الأسعار الدولية وسعر الصرف وهوامش الفاعلين عوامل مؤثرة بشكل مباشر في السعر النهائي الذي يؤديه المواطن.
سجال بن كيران الحالي لا يمكن فصله عن القرار الذي اتخذته حكومته
وبينما يحمل ابن كيران اليوم أخنوش مسؤولية ما يعتبره أرباحا ضخمة لشركات المحروقات، ويستند إلى قرار مجلس المنافسة الذي أقر عقوبات مالية على عدد من الشركات، فإن سجاله الحالي لا يمكن فصله عن القرار الذي اتخذته حكومته قبل أكثر من عشر سنوات، والذي غيّر بشكل جذري طريقة تحديد أسعار المحروقات في المغرب.
وخلال مهرجان خطابي بمدينة القصر الكبير، لم يتردد ابن كيران في القول إن رئيس الحكومة «يجب أن يذهب إلى المحكمة»، معتبراً أن القضاء وحده هو الذي ينبغي أن يحسم في مسؤوليته، سواء بالإدانة أو التبرئة.
اقرأ أيضا…
واستحضر الأمين العام للعدالة والتنمية قرار مجلس المنافسة، الذي فرض غرامات على شركات عاملة في سوق المحروقات، معتبراً أن الملف يكشف، من وجهة نظره، ضرورة إخضاع رئيس الحكومة للمساءلة.
معركة المحروقات مفتوحة على سؤال أوسع
غير أن المفارقة السياسية تكمن في أن ابن كيران لا يتحدث اليوم فقط بصفته زعيما معارضا لأخنوش، وإنما بصفته رئيس حكومة سابقا اتخذ قراراً مفصلياً في القطاع نفسه، وهو ما يجعل معركة المحروقات مفتوحة على سؤال أوسع: هل يمكن تحميل حكومة أخنوش وحدها مسؤولية نتائج مسار بدأ بقرار اتخذته حكومة ابن كيران؟
ابن كيران، في المقابل، يرفض وضع إصلاحاته الاقتصادية في خانة المسؤولية عن الأزمة الحالية، بل يعود للدفاع بشراسة عن إصلاح صندوق المقاصة، ويعتبر أنه أحد أكبر الإصلاحات الاقتصادية التي شهدها المغرب.
وقال إن المقاصة كانت تستنزف موارد الدولة، مستحضرا بلوغ مديونيتها، بحسب الأرقام التي قدمها، 57 مليار درهم، معتبرا أن النظام كان يسمح، في بعض الحالات، بصرف أموال دون قدرة الإدارة على التحقق بشكل كاف من وصول المحروقات المعنية.
بن كيران: أنا «أكبر مصلح اقتصادي في المغرب»
ومن هنا حاول ابن كيران إعادة تقديم نفسه باعتباره رجل الإصلاح الذي دفع ثمنا سياسيا بسبب قرارات صعبة، قائلا إنه كان ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره «أكبر مصلح اقتصادي في المغرب».
لكن هذا الدفاع يصطدم مرة أخرى بالواقع السياسي الذي أعقب تحرير المحروقات، إذ تحولت الأسعار بعد ذلك إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي الشعبي، خصوصا مع ارتفاع الأسعار وتزايد الانتقادات الموجهة إلى شركات التوزيع وهوامش أرباحها.
ولم يترك ابن كيران المناسبة دون مهاجمة أخنوش في ملفات أخرى، متهما حكومته بالعجز عن معالجة أزمات التعليم والصحة، ومشيرا إلى الإضرابات الطويلة التي عرفها قطاع التعليم، وإلى استمرار المشاكل التي يعاني منها القطاع الصحي.
كما فتح النار على طريقة تدبير عدد من الملفات، مستحضرا مشروع تحلية مياه البحر، ودعم استيراد المواشي، والأدوية، معتبراً أن هذه الملفات تثير أسئلة حول تدبير المال العام وتضارب المصالح.
بن كيران ينتقد سياسة الدعم لاستيراد المواشي
وفي ملف الأضاحي، انتقد ابن كيران الدعم المخصص لاستيراد المواشي، قائلا إنه كلف الدولة مليارات الدراهم دون أن يحقق، حسب تقييمه، النتائج المنتظرة، مستحضرا تناقضات السنوات الثلاث الماضية بين ارتفاع الأسعار، وعدم إقامة شعيرة الأضحية، ثم صعوبة العثور على الأضاحي.
أما سياسياً، فقد أعاد ابن كيران رواية وصول أخنوش إلى رئاسة الحكومة باعتبارها نتيجة لما سماه «مؤامرة» استهدفت العدالة والتنمية وحكومته، مستحضراً انتخابات 2016 ونتائج حزبه، قبل أن يتهم خصومه السياسيين بمحاولة التحكم في مسار تشكيل الحكومة.
وفي محاولة لاستعادة جزء من رصيده السياسي، خاطب ابن كيران أنصار حزبه باعتبار العدالة والتنمية «الأمل الآخر»، مذكراً بأن حزبه كان، بحسب روايته، أول من واجه أخنوش وانتقد سياساته داخل البرلمان وخارجه.
ولم يسلم الصراع بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة من تعليق ابن كيران، الذي استعان بالمثل الشعبي: «إذا تخاصم السارقان ظهر المسروق»، في إشارة إلى التراشق المتبادل بين الحزبين.
إعادة وضع العدالة والتنمية في مواجهة مباشرة مع أخنوش
لكن الرسالة الأبرز في خطاب ابن كيران كانت واضحة: إعادة وضع العدالة والتنمية في مواجهة مباشرة مع أخنوش، ومحاولة استثمار الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة في معركة انتخابية جديدة.
وبين خطاب يدافع عن «إصلاح المقاصة» وخطاب يهاجم نتائج تحرير سوق المحروقات، يبقى السؤال الذي يصعب تجاوزه: إذا كان تحرير أسعار المحروقات قد بدأ رسمياً في فاتح يناير 2016 بقرار من حكومة ابن كيران، فهل يتحمل أخنوش وحده كل تبعات هذا المسار؟
إنها المفارقة التي تجعل معركة المحروقات بين الرجلين أكثر تعقيدا من مجرد سجال انتخابي: أحدهما اتخذ قرار التحرير، والآخر وجد نفسه لاحقا في قلب تداعياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.





