اقتصادالرئسية

المغرب في قلب سباق المعادن العالمي

لم تعد المعادن الاستراتيجية مجرد ثروات تستخرج من باطن الأرض، بل أصبحت جزءاً من معركة اقتصادية تحدد من يصنع التكنولوجيا ومن يكتفي بتزويدها بالمواد الأولية، ومن هذه الزاوية، لم يكن حضور واشنطن في مؤتمر «غيغا أفريقيا» بمراكش، يومي 29 و30 شتنبر 2026، تفصيلاً بروتوكولياً، بل نافذة على سباق عالمي لإعادة ترتيب سلاسل الإمداد، وفي قلبه المغرب بسوقه وموقعه وثرواته، لكن أيضاً بسؤال حاسم: كم سيملك فعلياً من القيمة التي تصنعها موارده؟

حين تصبح البطارية قضية صناعية

لفهم هذا التحول، يكفي النظر إلى ما يحدث داخل الولايات المتحدة، فقد عرضت وداد ويتمان، المسؤولة عن أمن سلاسل الإمداد بمكتب المعادن الحرجة والمواد والصناعة بوزارة الطاقة الأمريكية، استراتيجية بلادها لتوطين الصناعات المعدنية والوسيطة وتمويلها.

وقبل المؤتمر، أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية في 20 غشت تخصيص 500 مليون دولار لسبعة مشاريع داخل الولايات المتحدة لتجهيز المعادن الحرجة وتصنيع البطاريات وإعادة تدويرها، والرسالة واضحة: القوة الصناعية لا تبدأ من المنجم ولا تنتهي عند المصنع، بل تتشكل في الحلقات التي تحول الخام إلى مادة ذات قيمة، من التكرير والمعالجة الكيميائية إلى مواد الكاثود وإعادة التدوير.

وهنا تنتقل القصة تلقائياً إلى أفريقيا، لأن القارة تملك جزءاً مهماً من الموارد التي تحتاجها هذه الصناعة، بينما تتنافس القوى الاقتصادية على تأمين الوصول إليها وعلى امتلاك مراحل تحويلها.

المغرب يدخل السلسلة

في هذا السياق، يكتسب حضور سياني سميث، مديرة التمويل المهيكل والمشاريع في مؤسسة التمويل التنموي الدولية الأمريكية، أهمية تتجاوز الجانب التقني، إذ شاركت في مناقشة تمويل المشاريع الأفريقية، في وقت أصبح فيه التمويل نفسه أداة أساسية لبناء سلاسل الإمداد الصناعية.

والمغرب يوجد في قلب هذا التحول.. ففي القنيطرة، يستعد مشروع «غوشن» و«باور كو» التابعة لفولكسفاغن لإنتاج مواد كاثود بطاريات «إل إف بي» بطاقة تصل إلى 100 ألف طن سنوياً، مع امتلاك «باور كو» نسبة 49%.

غير أن دخول المغرب مرحلة التصنيع يفتح السؤال الذي يهم الاقتصاد أكثر من عدد المصانع: هل وجود المصنع على الأرض المغربية يعني أن القيمة أصبحت مغربية؟ فالرأسمال والوظائف مهمان، لكن الجزء الأعلى من القيمة قد يتشكل حيث توجد التكنولوجيا والبحث والتطوير وشبكات الموردين والمعرفة الصناعية.

الفوسفاط يكشف أن السؤال أقدم من البطاريات

وهنا يصبح الانتقال إلى الفوسفاط أكثر من مقارنة بين قطاعين؛ فهو يضع السؤال نفسه أمام ثروة مغربية تاريخية، وتشير معطيات مجموعة «أو سي بي»، استناداً إلى هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، إلى امتلاك المغرب نحو 68% من الاحتياطيات العالمية، فيما بلغت صادرات الفوسفاط ومشتقاته 46.6 مليار درهم خلال النصف الأول من 2025، وفق مكتب الصرف.

لكن ضخامة المورد لا تحسم وحدها أثره الاقتصادي والاجتماعي.. ففي 2025، بلغ معدل البطالة 13%، بما يقارب 1.62 مليون عاطل، بينما وفر القطاع الصناعي 46 ألف منصب من أصل 193 ألف منصب شغل جديد.

ولا تثبت هذه الأرقام علاقة مباشرة بين الاستثمارات المعدنية والبطالة، لكنها تجعل معيار النجاح أكثر صعوبة: “كم من الثروة تتحول إلى وظائف نوعية، ومقاولات محلية، ومعرفة وقدرة إنتاجية داخل الاقتصاد؟”

ومع توسع صناعات المعادن والبطاريات، يضاف إلى ذلك سؤال الماء والطاقة والأرض، أي كلفة الموارد التي ترافق التصنيع وحصة الاقتصاد المحلي من المنافع التي يولدها.

الامتحان ليس عدد المصانع

لهذا، فإن مؤتمر مراكش يضع المغرب أمام اختبار يتجاوز جذب المستثمرين، فالولايات المتحدة تعيد بناء سلاسلها الصناعية، وأفريقيا تملك الموارد، والمغرب يحاول تثبيت موقعه بينهما.

لكن النجاح الصناعي لا يُقاس فقط بعدد المشاريع التي تصل، ولا بحجم الاستثمارات التي تدخل، بل بقدرة الاقتصاد على الصعود داخل السلسلة نفسها.

ويبقى السؤال الذي سيحدد معنى هذا التحول بالنسبة للمغرب أبسط من لغة المؤتمرات: عندما يتحول المعدن إلى مادة صناعية، ثم إلى تكنولوجيا ومنتج مرتفع القيمة، هل سيرتفع معه نصيب المغرب من القيمة أيضاً؟ أم سيظل النجاح يقاس بعدد المصانع التي وصلت، لا بمقدار ما أصبح الاقتصاد قادراً على امتلاكه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى