
أنوزلا: المهدوي لم يحاصر عرشان مهنيا
انتقد الصحافي والكاتب علي أنوزلا الطريقة التي أدار بها الصحافي حميد المهدوي حواره مع المسؤول الأمني السابق محمود عرشان، معتبرا أن الإشكال لا يتعلق بحق الصحافي في محاورة من يشاء، وإنما بمدى احترام قواعد التحضير والتحقق والتدقيق والمساءلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصية ارتبط اسمها، وفق شهادات حقوقية، بملفات الانتهاكات خلال سنوات الرصاص.
وأوضح أنوزلا، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، أن محاورة أشخاص تُنسب إليهم مسؤولية ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان يمكن أن تشكل عملا صحفيا بالغ الأهمية، شريطة أن يكون الهدف منها البحث عن الحقيقة وكشف الوقائع، لا إتاحة الفرصة أمام الضيف لتقديم روايته الخاصة عن الماضي دون مساءلة كافية.
أنوزلا: الاعتراض ليس على الحوار بل على طريقة إدارته
وشدد الكاتب الصحافي على أن حق المهدوي في إجراء الحوار يظل مشروعا من حيث المبدأ، حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص ارتبطت أسماؤهم باتهامات خطيرة، مؤكدا أن التجارب الصحفية الدولية تقدم نماذج لمحاورات مع مسؤولين عن جرائم جسيمة، لكنها غالبا ما تستند إلى سنوات من البحث والتوثيق والتحقيق.
وفي هذا السياق، اعتبر أن الحوار الذي أجراه المهدوي مع عرشان لم يكن، في جوانب أساسية منه، محضرا بما يكفي من البحث والوثائق، وهو ما أخل، بحسب تقديره، بالتوازن المعرفي بين الصحافي وضيفه، ومنح الأخير مساحة واسعة لسرد روايته عن أحداث الماضي، دون مواجهته بما يكفي من الوقائع والشهادات والوثائق التي تتيح للجمهور اختبار صدقيتها.
وأضاف أنوزلا أن الصحافي بدا، خلال بعض مراحل الحوار، ضعيفا أمام ضيفه، بل خاضعا لما وصفه بنوع من الهيمنة المعنوية، معتبرا أن المسألة تتجاوز أسلوب إدارة المقابلة إلى طبيعة العلاقة بين الصحافي والمسؤول الأمني السابق، وما تفرضه من استعداد معرفي ومهني.
رسالة منسوبة إلى جمال بنعمر تثير إشكال التحقق
ومن أبرز النقاط التي توقف عندها أنوزلا ما يتعلق بالرسالة المتداولة والمنسوبة إلى المعتقل السياسي السابق جمال بنعمر، والتي تضمنت اتهامات لعرشان بوجوده في أحد مراكز التعذيب خلال سنوات الرصاص.
وقال أنوزلا إن المهدوي اعتمد على هذه الرسالة في مواجهة ضيفه، رغم أنها، وفق ما أورده في تدوينته، غير صحيحة، مشيرا إلى أن بنعمر نفى صلته بها، بحسب المعلومات التي توصل إليها الكاتب.
واعتبر أن استخدام وثيقة من هذا النوع دون التحقق المسبق من صحتها وأصالتها ونسبتها إلى صاحبها يمثل خطأ مهنيا جسيما، بالنظر إلى خطورة الاتهامات التي تتضمنها وحساسية المرحلة التاريخية التي تتعلق بها.
ويعيد هذا الانتقاد، وفق المنطق الذي يستند إليه أنوزلا، طرح مسألة التحقق من الوثائق في العمل الصحافي، باعتبارها شرطا أساسيا لحماية مصداقية التحقيقات والمقابلات، وتجنب بناء الأسئلة على معطيات غير موثقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بوقائع تمس حقوق الأشخاص وذاكرة الضحايا.
الماضي الأمني لعرشان غاب عن مركز المساءلة
وسجل أنوزلا أن جزءا مهما من الحوار انصرف إلى استفسار عرشان عن آرائه ومواقفه من أحداث وشخصيات وقضايا سياسية وشخصية، في حين كان الأجدر، في نظره، أن ينصب التركيز على ماضيه الأمني والاتهامات المرتبطة به.
وتساءل الكاتب عن القيمة الصحفية لمعرفة مواقف عرشان من هذا السياسي أو ذاك، إذا لم تُطرح أولا الأسئلة المتعلقة بحقيقة دوره خلال مرحلة سنوات الرصاص، وما أثير بشأنها من شهادات واتهامات حقوقية.
واعتبر أن المقابلة كانت تتيح فرصة لتحويل الحوار إلى وثيقة ذات قيمة تاريخية، لو جرى الإعداد له بالاستناد إلى ملفات الضحايا وشهاداتهم، وتقارير الهيئات الحقوقية، وشهادات بعض المسؤولين الأمنيين السابقين، فضلا عن الوثائق المتاحة لدى هيئة الإنصاف والمصالحة.
وكان من الممكن، وفق أنوزلا، مواجهة الضيف بالتناقضات وطلب توضيحات دقيقة منه بشأن الوقائع المنسوبة إليه، مع تمكينه في الوقت نفسه من حقه الكامل في الدفاع عن نفسه ونفي الاتهامات الموجهة إليه.
الاتهام ليس إدانة والصحافي ليس قاضيا
وفي مقابل انتقاده لطريقة إدارة الحوار، شدد أنوزلا على ضرورة التمييز بين الاتهام والإدانة، مؤكدا أن الصحافي ليس قاضيا ولا يُطلب منه إصدار الأحكام، وإنما تقع على عاتقه مسؤولية التحقق من الوقائع والتمييز بين الشهادات والادعاءات والحقائق المثبتة.
كما رفض أن يتحول الحوار الصحافي إلى مساحة يفرض فيها أي طرف روايته دون تمحيص، سواء تعلق الأمر بضحايا الانتهاكات أو بمسؤولين سابقين في أجهزة القمع.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن الدفاع عن حق المهدوي في إجراء المقابلة باسم حرية الصحافة والتعبير لا يلغي مشروعية مساءلة مضمونها وطريقة إعدادها، لأن حرية الصحافة لا تعفي الصحافي من المسؤولية المهنية والأخلاقية، ولا تمنحه حصانة من النقد.
وأكد أن انتقاد الحوار لا يعني الدعوة إلى الرقابة أو المنع، بل يمثل ممارسة لحرية التعبير نفسها التي يستند إليها الصحافي في الدفاع عن عمله.
ذاكرة الضحايا في مواجهة إعادة كتابة الماضي
وختم أنوزلا تدوينته بالتأكيد على أن موقفه يأتي، بحسب تعبيره، دفاعا عن الصحافة، وليس انتقاصا من حق المهدوي في ممارستها أو تشكيكا في نواياه، موضحا أن جوهر اعتراضه يتمثل في غياب ما يكفي من المعرفة والصرامة المهنية في التعامل مع ملف بهذه الحساسية.
واعتبر أن المسؤولية الأخلاقية للصحافي تتضاعف عندما يتعلق الأمر بذاكرة جماعية مثقلة بالتعذيب والاختفاء القسري والإفلات من العقاب، لأن الضحايا الذين انتظروا عقودا من أجل الحقيقة والإنصاف لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم أمام روايات جديدة عن ماضيهم، بينما يتراجع صوتهم إلى الهامش.
ويضع هذا الموقف النقاش حول حوار المهدوي مع عرشان في صلب إشكالية أوسع تتعلق بدور الصحافة في التعامل مع الذاكرة الحقوقية: هل يكفي منح الشخص المعني فرصة لسرد روايته، أم أن القيمة الحقيقية للحوار تكمن في إخضاع تلك الرواية للتحقق والمساءلة ومقارنتها بالشهادات والوثائق المتاحة؟
وبالنسبة إلى أنوزلا، فإن حرية الصحافي في اختيار ضيوفه لا تنفصل عن مسؤوليته في إعداد الأسئلة والتحقق من المعطيات ومساءلة الروايات، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا لم تُطو صفحاتها بعد في الذاكرة الحقوقية المغربية.
فالصحافة، كما خلص أنوزلا في تدوينته، لا تحاكم الأشخاص، لكنها تحاكم الروايات بالوقائع.





