
يتصدر المغرب اليوم قائمة منتجي ومصدري السردين المعلب في العالم بأكثر من 150 ألف طن سنوياً حسب تقرير دولي حديث أصدره موقع “CPG”، رقم يُفترض أن يعكس وفرة وجودة وأسعاراً في المتناول داخل السوق الوطنية..
لكن المفارقة الصادمة أن “سمك الفقراء” الذي ظل لعقود رمزاً لغذاء شعبي بسيط صار يُباع بأسعار تقارب 30 درهماً للكيلوغرام، وأحياناً يتجاوزها، ليغدو سلعة شبه فاخرة لا تطالها يد الأسر محدودة الدخل.. إنها مفارقة بلد يصدّر الشبع ويستورد الغلاء.
هيمنة مُسوغة وتصدير بلا ضمير
تبدو الصورة في موانئ الصيد وردية: مخزون معتبر من السردين، أسطول ساحلي يشغّل آلاف البحارة، ومعامل تعليب وتجميد تستوعب آلاف العاملين، وقطاع يضخ مليارات الدراهم من العملة الصعبة، فيما تحمل نصف علب السردين في المتاجر الأوروبية والأميركية والآسيوية اليوم ختم “صنع في المغرب” ، في إنجاز اقتصادي لا يمكن إنكاره، غير أن هذا النجاح التصديري تحوّل إلى عامل ضغط على السوق المحلية، بعدما أصبح جزء مهم من الإنتاج موجهاً تلقائياً للخارج حيث الأسعار أعلى والربح أكبر.
اختلالات السياسة والتوزيع
على الضفة الأخرى ، يعيش المستهلك المغربي معادلة غير مفهومة: ثروة بحرية ضخمة، لكن أسعار تتصاعد بفعل كلفة المحروقات، وتقلبات المخزون، والأهم “متاهة الوسطاء” الشناقة التي تجعل ثمن السردين يقفز من دراهم معدودة عند بوابات الموانئ إلى ثلاثين درهماً في أسواق الأحياء.. في ظل غياب الشفافية في سلسلة التسويق وعدم ضبط هوامش الربح ما يوسّع الهوة بين إمكانيات الصياد البسيط وقدرة المواطن على شراء وجبة بحرية كانت في السابق الأكثر ديمقراطية على المائدة المغربية.
السردين المغربي… منتوج عالمي أم حق اجتماعي؟
في ظل هذا الواقع، يطفو سؤال العدالة الغذائية بقوة: كيف لبلد يتصدر التجارة العالمية للسردين أن يعجز عن تمكين مواطنيه من أبسط منتجاته البحرية؟
وكيف تستقيم سيادة بحرية تُقاس بأرقام التصدير مع سوق داخلية يُقصى فيها الفقراء من غذاء اعتادوه؟
إن إعادة التوازن بين منطق العملة الصعبة وحق المغاربة في غذاء متاح لم تعد ترفاً اقتصادياً، بل ضرورة اجتماعية تُلزم الدولة بإعادة النظر في أولوياتها، من ضبط سلسلة التسويق إلى ضمان حصة عادلة للسوق الوطنية قبل التفكير في شحن الثروة البحرية إلى الخارج.
اقرأ أيضا…
تحقيق يكشف وجود محتمل لممارسات منافية للمنافسة في سوق توريد السردين الصناعي




