
السعيدي يكتب: النظام والحداثة.. لعبة التوازن
ستمعتُ إلى بعض ما راج في حلقة برنامج «غرفة الفار» بخصوص قضية محمد الفايد والناشطة مايسة الناجي، واستوقفني سؤال: أين الحداثيون؟
بقلم الدكتور: كمال السعيدي
في البدء ..
موقفي من أفكار الفايد ومايسة الناجي، قديمها وجديدها، عبّرت عنه مرارًا. واختلافي مع الشخصين لا يمنع وجود نقاط تلاقٍ من حين إلى آخر، لكنها، في كل الأحوال، لا تجعلني أشعر أننا نقف على الضفة نفسها.
أما ما تعرّض له الفايد من تيار التكفير، وما تعرّضت له الناجي من إساءة على لسان رئيس حكومة سابق، فيستدعي الإدانة بلا تردد، بصرف النظر عن موقفي من أفكارهما.
أما بعد ..
كلما رفع التيار الديني صوته، أو تجاوز الحدود، ظهرت أصوات محسوبة على السلطة أو قريبة منها تتساءل: أين التيار الحداثي والعلماني؟ لماذا لا يرد على التيار المحافظ وعلى تجاوزاته؟
في الحقيقة، وبعيدًا عن واجبات التيار الحداثي تجاه مشروعه وأفكاره، ثمة حاجة للنظام السياسي نفسه إلى وجود حداثيين، من أجل تحقيق قدر من التوازن السياسي، وإدارة التنوع الفكري، والمساهمة في مشروع التحديث، وغير ذلك.
لكن المفارقة أن النظام السياسي، في الوقت نفسه، يبدو متوجسًا من الحداثة، ويتردد في الذهاب بعيدًا في مقتضياتها.
فالحداثة، حين تتحول من مجرد خطاب إلى مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي، تفرض على النظام دفتر تحمّل لا يستطيع، وربما لا يريد أيضًا، الوفاء بكل التزاماته وبنوده.
لأن هذا الدفتر يفرض، في نهاية المطاف، توزيعات جديدة للسلطة وللمشروعية، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المجالين السياسي والثقافي؛ وهي تحولات قد يُنظر إليها، من داخل النظام، بوصفها تهديدًا جديًا ومباشرًا لتوازناته التاريخية.
وهكذا، يبدو أن النظام لا يستطيع التحول بالكامل إلى المحافظة الدينية، ولا يستطيع، في المقابل، أن ينخرط بالكامل في الحداثة الفلسفية والسياسية بمقتضياتها ونتائجها المعروفة.
والأرجح أنه يفضّل، في المقابل، أن يبقى حكمًا بين التيارين؛ تيارين يظلان مختلفين ومتصارعين، ويظل كل منهما محتاجًا، بدرجة أو بأخرى، إلى حماية النظام من الآخر ..
في هذا السياق تحديدًا، أفهم تلك الحروب الصغيرة التي تندلع بين الطرفين من حين إلى آخر، والتي يمكن أن تُذكّر الجميع بأهمية الدولة بوصفها الحكم والوسيط والضامن.
على سبيل الختم ..
إن السؤال : أين الحداثيون؟ قد يكون مشروعًا في ذاته، لكنه يصبح ملتبسًا حين يتحول إلى مجرد مطالبة بتنشيط توازن سياسي قائم، بدل أن يكون سؤالًا عن موقع الحداثة نفسها، وعن شروطها، وعن الثمن السياسي والاجتماعي الذي ينبغي للنظام أن يدفعه بدوره للانخراط في مسار هذه الحداثة ..





