الرئسيةسياسة

الـ270 طنا.. الرقم الذي فجر قضية الإبراهيمي

لم يكن تصريح مصطفى الإبراهيمي، البرلماني عن حزب العدالة والتنمية والمرشح لولاية جديدة بدائرة القنيطرة، ليمر مرور الكرام.

الابراهيمي

فبعد انتشار مقطع من كلمة ألقاها خلال لقاء تواصلي، بدا فيه أن الحديث ينتقل من كميات ضخمة من المخدرات إلى قدرة بعض المرشحين على شراء الصناديق والجماعات والبرلمان وحتى التأثير في الحكومة، دخلت النيابة العامة على الخط وقررت فتح بحث قضائي.

وبينما ذهب تداول المقطع على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الربط مباشرة بين أموال المخدرات وشراء الانتخابات، فإن العودة إلى التسجيل الكامل تكشف رواية أكثر تعقيدا؛ فالإبراهيمي لم يقل حرفيا إن أموال المخدرات ستُستعمل في تمويل الانتخابات، ولم يسمّ مرشحا بعينه، كما لم يحدد صراحة أن حديثه يتعلق بالانتخابات التشريعية المقبلة.

لكن تسلسل كلامه يطرح، في المقابل، أسئلة ثقيلة حول المقصود بـ«المرشح المعني» وحول مصدر الأموال التي تحدث عنها وقدرتها المفترضة على اختراق المؤسسات المنتخبة.

من «270 طناً» إلى شراء الصندوق والبرلمان

في كلمته، بدأ الإبراهيمي بالحديث عن أكثر من مائة برلماني ومستشار ورئيس جماعة ورئيس جهة وقياديين في أحزاب التحالف الحكومي، قال إن عدداً منهم يوجد في السجن أو صدرت في حقه أحكام أو ما تزال قضيته أمام القضاء.

ثم ربط عدداً من هذه الملفات، بحسب حديثه، بالاتجار في المخدرات، قبل أن يتوقف عند حجم الكميات موضوع هذه القضايا.

وسأل الحاضرين: «هل تعرفون كم طن من المخدرات في هذه الملفات؟» قبل أن يجيب: «270 طن ديال المخدرات».

لكن المفاجأة جاءت في الجزء الموالي من حديثه، عندما انتقل من الحديث عن المخدرات إلى الحديث عن النفوذ الانتخابي، قائلاً إن «هذا المرشح المعني» لا يستطيع فقط شراء صندوق انتخابي أو جماعة قروية أو مدينة القنيطرة، بل يمكنه، وفق تعبيره، أن «يشري الصندوق والجماعة والبرلمان ويشير الحكومة».

وختم تحذيره بالقول إن هؤلاء، بحسب وصفه، «خطر على الدولة ماشي على العدالة والتنمية».

المقطع المقتطع أشعل التأويلات

المقطع الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي اختزل هذه العبارات في سياق بدا منه أن البرلماني يتحدث عن إمكانية استخدام أموال مرتبطة بالمخدرات للتأثير على الانتخابات.

لكن التسجيل الكامل يضع فاصلاً مهماً بين الوقائع التي أشار إليها الإبراهيمي وبين الاستنتاجات التي رافقت تداول المقطع.

فلا توجد في التسجيل عبارة صريحة يقول فيها إن أموال المخدرات ستُضخ في الانتخابات، ولا يتضمن تصريحاً مباشراً بشأن شراء الأصوات بواسطة تلك الأموال.

كما أن البرلماني لم يكشف هوية «المرشح المعني»، ولم يقل صراحة إن المقصود هو الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها في 23 شتنبر 2026.

وهنا تحديداً تبرز أهمية البحث الذي أمرت به النيابة العامة.

النيابة العامة تفتح الملف

الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة أعلن فتح بحث قضائي بشأن التصريح، بهدف الوقوف على «حيثيات وظروف» ما ورد فيه وترتيب الآثار القانونية اللازمة.

وأكد أن هذا الإجراء يأتي في إطار الأدوار الموكولة للنيابة العامة من أجل السهر على سلامة العملية الانتخابية، وضمان التطبيق السليم للقانون وحماية نزاهة الاستحقاقات.

وبذلك ينتقل النقاش من فضاء مواقع التواصل الاجتماعي والتأويلات السياسية إلى مسار قضائي يفترض أن يحدد طبيعة التصريح وسياقه والمقصود منه.

لكن من أين جاء رقم 270 طناً؟

الرقم الذي ذكره الإبراهيمي لا يبدو معزولاً عن أحد أكثر الملفات القضائية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، أي ملف «إسكوبار الصحراء».

فالقضية التي كان من أبرز المتابعين فيها الرئيس السابق لجهة الشرق عبد النبي بعيوي والرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي سعيد الناصري، تضمنت معطيات قضائية بشأن كميات كبيرة من مخدر الشيرا.

وفي الحكم الصادر في 25 يونيو 2026 عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وردت عدة كميات من المخدرات ضمن وقائع الملف.

40 طناً.. ثم 200 طن

تضمن الحكم كمية بلغت 40 طناً من مخدر الشيرا، وقضت المحكمة بشأنها بأداء عبد النبي بعيوي وسعيد الناصري وأربعة متهمين آخرين، بالتضامن، مبلغ 800 مليون درهم.

أما الكمية الأكبر فبلغت 200 طن، وحكم بشأنها بأداء عبد النبي بعيوي وستة متهمين آخرين، بالتضامن، مبلغ 4 ملايير درهم.

كما وردت في الحكم كمية ثالثة بلغت 15 طناً، وأخرى قدرها 10 أطنان.

وبجمع الكميات الأربع، يصل الإجمالي إلى 265 طناً من مخدر الشيرا.

265 طناً.. فلماذا قال الإبراهيمي 270؟

إلى جانب الكميات الأربع، أشار الحكم إلى كمية أخرى بلغت 77 كيلوغراماً و500 غرام من مخدر الشيرا.

وباحتسابها، يصبح مجموع الكميات الواردة في الفقرات المعنية من الحكم حوالي 265.077 طناً.

وهذا الرقم يقترب من رقم 270 طناً الذي أورده الإبراهيمي، لكنه لا يطابقه حسابياً.

لذلك، فإن القول إن رقم 270 طناً يحيل بشكل قطعي على جميع هذه الكميات يظل استنتاجاً يحتاج إلى تدقيق في المقصود من البرلماني وسياق المعطيات التي استند إليها.

السؤال الذي ينتظر جواباً قضائياً

القضية، في النهاية، لا تتعلق فقط برقم 270 طناً، ولا بالمقطع الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

السؤال الأهم هو: من هو «المرشح المعني» الذي تحدث عنه الإبراهيمي؟ وهل كان يقصد فعلاً ربط أموال ناتجة عن الاتجار في المخدرات بقدرة مالية على التأثير في الانتخابات؟

التسجيل الكامل لا يقدم جواباً صريحاً عن ذلك، والنيابة العامة بالقنيطرة قررت فتح بحث لتحديد ملابسات التصريح.

وبين «270 طناً من المخدرات» و**«شراء الصندوق والجماعة والبرلمان»**، يبقى الفاصل الذي يفترض أن يكشفه التحقيق هو: هل كان الإبراهيمي يصف خطراً سياسياً افتراضياً، أم يتحدث عن معطيات أو وقائع محددة؟

الجواب هذه المرة لن يكون من مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما من نتائج البحث القضائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى