
تحرير: بثينة المكودي
في أعالي الأطلس الكبير، حيث تشتد البرودة وتغلق الثلوج المسالك الجبلية، يعيش جزء من المتضررين من زلزال الحوز شتاءً قاسياً فوق جراح لم تلتئم بعد، فبعد أكثر من عام على الكارثة، تعود الخيام والمساكن المؤقتة لتتصدر المشهد مع أول موجة برد قوية، كاشفة فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي وواقع ميداني يزداد هشاشة مع كل انخفاض في درجات الحرارة.
صعوبة في الولوج إلى الخدمات الصحية والغذائية
المعطيات الجوية الأخيرة تؤكد أن دواوير واسعة بإقليم الحوز، خاصة الواقعة فوق 1500 متر، تعرف تساقطات ثلجية كثيفة وانخفاض حاد في درجات الحرارة، هذه الظروف لا تمثل فقط تحدي موسمي، بل تتحول إلى عامل خطر حقيقي حين تقترن بسكن غير لائق ، ومسالك متضررة، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية والغذائية.
حيث في عدد من الدواوير الجبلية، ما تزال أسر تقطن خيام أو مساكن انتقالية لا تصمد أمام البرد الليلي، حيث تتسرب المياه والرياح، وتنخفض الحرارة إلى مستويات تهدد صحة الأطفال والمسنين. شهادات محلية تتحدث عن ليالٍ طويلة بلا تدفئة كافية، وعن اضطرار الأسر إلى اقتناء الحطب والغاز بأسعار مرتفعة في مناطق تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية، فيما تصبح الطريق إلى أقرب مركز صحي أو سوق أسبوعي مغامرة حقيقية عند تساقط الثلوج.
رسميا، تؤكد الحكومة أن ورش إعادة الإعمار حقق تقدم مهم؛ فحسب المعطيات المعلنة، بلغ عدد المساكن المتضررة من الزلزال حوالي 59 ألفاً و675 مسكناً، تم استكمال بناء أو تأهيل نحو 51 ألفاً و154 منها إلى حدود شتنبر 2025.
هذه الأرقام تعني، وفق القراءة الرسمية، أن ما يقارب 85 إلى 86 في المائة من المساكن المتضررة جرى تعويضها أو إعادة بنائها، مقابل حوالي 8 آلاف و500 مسكن، أي ما بين 14 و15 في المائة، ما تزال ملفاتها عالقة أو لم تستكمل بعد.
ملفات ما تزال عالقة بسبب تعقيدات إدارية
غير أن هذه النسب، رغم أهميتها، لا تعكس بالكامل واقع المعاناة في بعض المناطق الجبلية المعزولة، فميدانيا، تشير تنسيقيات لضحايا الزلزال وجمعيات محلية إلى أن عدد من الأسر لم تستفد من التعويض الكامل، أو توصلت بدعم جزئي لا يتناسب مع حجم الضرر، خصوصا في حالات الهدم الكلي. كما تتحدث عن ملفات ما تزال عالقة بسبب تعقيدات إدارية، أو مشاكل مرتبطة بالملكية، أو صعوبات تقنية وهندسية في إعادة البناء بالمناطق الوعرة.
في الميدان، يتضح أن الشتاء يضاعف الإحساس بالهشاشة، ليس فقط بسبب البرد، بل لأن كل اضطراب جوي يعيد طرح الأسئلة نفسها حول فك العزلة، واستمرارية الخدمات، وسرعة التدخل.
عليق الدراسة في بعض الدواوير
انقطاع الطرق يعني تأخر الإمدادات، وصعوبة نقل المرضى، وتعليق الدراسة في بعض الدواوير، ما يجعل الثلج عامل كاشف لاختلالات أعمق في تدبير مرحلة ما بعد الزلزال.
عدد من الفاعلين المحليين يعتبرون أن المرحلة الحالية تتطلب انتقال من منطق الأرقام الإجمالية إلى مقاربة ترابية دقيقة، تستحضر خصوصية كل دوار على حدة، فالتحدي لم يعد فقط في الإعلان عن نسب الإنجاز، بل في ضمان وصول فعلي للدعم، وتسريع معالجة الملفات المتأخرة، خاصة في المناطق المرتفعة التي تواجه شتاءً أقسى وزمناً أطول للعزلة.
هل تكفي المؤشرات الوطنية الإيجابية إذا بقيت أسر من المتضررين تواجه البرد والثلج
ومع كل موجة برد، يتجدد السؤال الجوهري حول العدالة الترابية في تدبير الكوارث، فهل تكفي المؤشرات الوطنية الإيجابية إذا بقيت أسر من المتضررين تواجه البرد والثلج في خيام ومساكن هشة؟ أم أن المرحلة تفرض إعادة ترتيب الأولويات، بوضع المناطق الجبلية المعزولة في صدارة التدخل الاستعجالي، حماية للكرامة الإنسانية قبل أي اعتبار آخر؟
وجدير بالذكر أن هذا الشتاء، بالنسبة لضحايا زلزال الحوز في أعالي الأطلس، ليس مجرد فصل عابر، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الأرقام المعلنة إلى دفء فعلي، وسقف آمن، وإحساس بالإنصاف في زمن الكوارث.




