
قررت قاضية التحقيق بالغرفة الخامسة المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بالرباط، لبنى لحلو، أول أمس الأربعاء، إغلاق الحدود في وجه المديرة السابقة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الرباط، التيجانية فرتات، إلى جانب اثنين من المسؤولين السابقين بالأكاديمية، وصاحب شركة وزوجته، وذلك على خلفية شبهات تلاعب خطيرة شابت صفقات مرتبطة بالبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، الذي كلف خزينة الدولة ما يفوق 43 مليار درهم.
ويعود هذا الملف إلى فترة تولي أحمد اخشيشن وزارة التربية الوطنية، في سياق تنزيل مخطط وُصف حينها بالإصلاحي، قبل أن تكشف التحقيقات اللاحقة حجم الاختلالات التي رافقت تنزيله.
الفرقة الوطنية تنهي البحث وتحيل المتهمين على التحقيق
وحسب مصادر مطلعة، فإن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أنهت أبحاثها مع التيجانية فرتات، التي سبق أن شغلت أيضا منصب رئيسة لجنة الأخلاقيات بالمجلس الأعلى للتعليم، رفقة باقي المتهمين، ومن بينهم رئيس قسم الميزانية سابقا، ومفتش جهوي كان مكلفا بتسليم العتاد الديداكتيكي، إضافة إلى صاحب شركة وزوجته اللذين استحوذا على أغلب الصفقات.
وبعد انتهاء البحث، جرى تقديم المعنيين بالأمر أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، الذي التمس فتح تحقيق في مواجهتهم من أجل جنايات اختلاس وتبديد أموال عمومية، قبل أن تأمر قاضية التحقيق بإغلاق الحدود في حقهم، مع عقل وحجز ممتلكاتهم وحساباتهم البنكية في حدود المبالغ المشتبه في اختلاسها، ومتابعتهم في حالة سراح.
استنطاق تفصيلي مرتقب وبداية مرحلة جديدة من التحقيق
وقررت قاضية التحقيق مواصلة التحقيق التفصيلي مع المتهمين، مع تحديد بداية شهر مارس المقبل موعدا لأول جلسة استنطاق تفصيلي، في انتظار ما ستسفر عنه المواجهات والبحث المعمق في مسار الصفقات المشبوهة.
شكايات جمعيات المال العام فجّرت الملف
وتعود خيوط هذا الملف إلى شكايات تقدمت بها جمعيات حماية المال العام، دفعت رئاسة النيابة العامة إلى إحالة ملفات التلاعب بصفقات البرنامج الاستعجالي على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، التي أنجزت تحريات موسعة همّت عددا كبيرا من الأكاديميات الجهوية.
وبعد انتهاء الأبحاث، قررت النيابة العامة توزيع الملفات على محاكم جرائم الأموال المختصة بكل من الرباط وفاس والدار البيضاء ومراكش، حسب النفوذ الترابي لكل أكاديمية، في إطار التقسيم الجهوي القديم الذي كان يضم 16 أكاديمية.
حوالي 300 مشتبه فيه وأحكام سجنية سابقة
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عدد الأشخاص الواردة أسماؤهم في محاضر الفرقة الوطنية يناهز 300 شخص، من بينهم مسؤولون كبار بوزارة التربية الوطنية، ومديرون سابقون للأكاديميات الجهوية، ونواب إقليميون، ورؤساء أقسام وموظفون.
وسبق أن صدرت أحكام بالسجن في حق بعض المتهمين بملفات مرتبطة بأكاديميات فاس بولمان ودرعة تافيلالت، في حين لا تزال ملفات أخرى معروضة على التحقيق أو في طور المحاكمة أمام غرف جرائم الأموال.
تقرير المجلس الأعلى للحسابات يؤكد الاختلالات
وتفجّر ملف البرنامج الاستعجالي بشكل أوسع بعد تسريب تسجيلات صوتية لمديرة سابقة لإحدى الأكاديميات، بالتوازي مع إصدار المجلس الأعلى للحسابات تقريرا موضوعاتيا حول تقييم المخطط الاستعجالي، كشف من خلاله اختلالات خطيرة في صرف الاعتمادات المالية التي فاقت 43 مليار درهم.
وأكد التقرير ضرورة التحقق من ظروف إعداد وبرمجة وتنفيذ المخطط، ومدى مطابقة المنجزات للأهداف المسطرة، في ظل مؤشرات قوية على ضعف الحكامة وغياب النجاعة.
خروقات في الصفقات وتواطؤ مع شركتين
وكشفت التحريات وجود اختلالات بنيوية في إعداد وإبرام الصفقات وسندات الطلب، من بينها غياب آليات دقيقة لتحديد الحاجيات الحقيقية من الوسائل التعليمية، وخرق القوانين المؤطرة للصفقات العمومية، سواء من حيث نشر طلبات العروض أو نتائجها، أو تشكيل لجان فتح الأظرفة.
كما سجلت الأبحاث إخلالا بمبدأ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص، عبر تواطؤ واضح مع شركتين، من خلال توجيه المواصفات التقنية لتتلاءم مع منتجاتهما، وتجزيء الطلبيات إلى سندات طلب بدل تجميعها في صفقات موحدة، واعتماد منافسات صورية، والتلاعب في أثمنة التجهيزات المسلمة.
80 في المائة من الصفقات في يد شركتين
وأظهرت معطيات التفتيش أن الشركتين المعنيتين استحوذتا على أكثر من 80 في المائة من صفقات اقتناء العتاد الديداكتيكي، سواء بشكل منفرد أو ضمن “تجمع” بينهما.
كما تبين أن ست أكاديميات فقط أبرمت 173 صفقة وسند طلب من أصل 214، أي ما يعادل 80 في المائة من مجموع النفقات، وهو ما يعكس اختلالا واضحا في توزيع الطلبات العمومية ويطرح تساؤلات ثقيلة حول معايير الحكامة والمراقبة في واحد من أكبر برامج إصلاح التعليم بالمغرب.




