الرئسيةثقافة وفنونمجتمع

رمضان… موسم الإشهار لا الدراما

لم يعد شهر رمضان في المشهد السمعي البصري المغربي ذروة الإنتاج الدرامي كما كان يُقدَّم لعقود، بل تحول تدريجياً إلى موسم ذهبي لسوق الإشهار، حيث تبحث العلامات التجارية عن أي قصة لتعلّق عليها رسائلها التسويقية..

ولم تعد الحكاية هي الأصل والإعلان تابعاً لها، بل انعكست المعادلة بشكل لافت، و صار النص يُفصَّل على مقاس الفواصل الإعلانية، وصارت الحبكة تُقاس بقدرتها على تحمل القطع المتكرر أكثر من قدرتها على خلق الدهشة أو التأثير، و في هذا المناخ، يتقلص الفن إلى وظيفة خدمية داخل منظومة اقتصادية محضة، ويصبح المشاهد مجرد رقم في سوق نسب المشاهدة.

اقتصاد المشاهدة… الأرقام التي تحكم الشاشة

تشير تقديرات سوق الإعلانات التلفزيونية في المغرب إلى أن عائدات الإشهار خلال شهر رمضان وحده تتجاوز في بعض المواسم ما بين 400 و600 مليون درهم، وهي أرقام تجعل من هذا الشهر قاطرة مالية للقنوات، وتستحوذ الفترات المسائية، خصوصاً ما بين الإفطار ومنتصف الليل، على الحصة الأكبر من هذه الكعكة، حيث ترتفع أسعار الفواصل الإعلانية بشكل مضاعف مقارنة بباقي أشهر السنة.

وفي هذا السياق، لم يعد معيار نجاح المسلسل أو السيتكوم هو جودته الفنية، بل قدرته على جذب أكبر عدد من المعلنين وضمان استمرار تدفق الإعلانات، فالحلقة التي تطول لا تطول لأن القصة تستحق التمديد، بل لأن المساحات الإعلانية تحتاج إلى دقائق إضافية لتدرّ مزيداً من العائدات.

دراما مُجزّأة… حين تُكتب الحكاية بمقص السوق

داخل غرف الكتابة، يتسلل منطق السوق إلى قلب العملية الإبداعية، فيُبنى الإيقاع الدرامي على نقاط توقف مدروسة تسمح بإدراج الفواصل الإعلانية دون إرباك كبير، حتى لو جاء ذلك على حساب انسجام السرد، وتتحول الشخصيات إلى أدوات لتمرير الزمن بين إعلانين، وتُحشى المشاهد بتفاصيل زائدة فقط لإطالة الطريق نحو الفاصل التالي.. والنتيجة دراما مُجزّأة، تبدو وكأنها مُركّبة من مقاطع متباعدة أكثر من كونها عملاً متماسكاً يحمل رؤية فنية واضحة.

المشاهد شريك في الحلقة المفرغة

المفارقة أن سخرية الجمهور من رداءة بعض الأعمال لا تؤدي بالضرورة إلى تراجعها، بل كثيراً ما ترفع نسب المشاهدة، وهو ما يزيد من جاذبيتها الإعلانية، وتتحول التعليقات الساخرة على وسائل التواصل إلى دعاية مجانية غير مباشرة، فتُعاد الوصفة نفسها في الموسم الموالي بثقة المنتصر.. وهكذا تكتمل الحلقة المغلقة: إعلان يولّد محتوى، ومحتوى يبرر إعلاناً، بينما يُدفع المتلقي إلى الاستهلاك حتى وهو يعلن رفضه.

انسحاب الفن… وصعود الضجيج اللامع

في خضم هذه المعادلة الاقتصادية، ينسحب الفن بهدوء من الشاشة، تاركاً مكانه لضجيج بصري لامع بلا روح، وتصبح الدراما غلافاً أنيقاً لمنتوج تجاري، وتتحول القصة إلى ذريعة لتسويق سلعة، وبينما تتكدس المداخيل في حسابات القنوات والمعلنين، يظل السؤال معلقاً: هل ما يزال للشاشة متسع لحكاية تُروى لذاتها، لا لما بعدها من إعلانات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى