
رقمنة الصحة أم خصخصة الأعباء؟
لم تعد الرقمنة في القطاع الصحي مجرد ورش تقني لتحديث الملفات الطبية، بعدما تحول مشروع القانون رقم 52.26 المتعلق بالمنظومة المعلوماتية الصحية الوطنية المندمجة إلى عنوان لمواجهة أوسع حول “من يتحمل كلفة الإصلاح ومن يدفع ثمن أخطائه؟”
فبينما صادقت الحكومة في 22 يوليوز الماضي على المشروع لإرساء منصة مركزية للمعطيات الصحية وملف طبي مشترك ومعرف صحي وطني ونظام معلوماتي استشفائي موحد، خرج الائتلاف النقابي للأطباء ومقدمي الخدمات الصحية والعلاجية بالقطاع الخاص ليعلن رفضه لمضامينه بصيغتها الحالية.
لسنا ضد الرقمنة.. بل ضد فاتورتها
لا يرفض الائتلاف تحديث المنظومة الصحية، لكنه يرفض أن يتم ذلك “دون مقاربة تشاركية مع المهنيين”، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنص يرتب، بحسب البلاغ، مسؤوليات قانونية وعقوبات مالية وجنائية على الأطباء ومقدمي الخدمات الصحية.
وهنا يبدأ جوهر الاعتراض: الدولة تريد منظومة رقمية موحدة، لكن من سيجهز العيادات؟ ومن سيمول البرمجيات والمعدات والتكوين؟ ومن سيوفر الموارد البشرية الضرورية لإدخال المعطيات وتحيينها؟ ومن سيتحمل كلفة التشغيل والصيانة؟
و يحذر الائتلاف من أن الطبيب قد يجد نفسه أمام “عبء مهني ومالي جديد”، في وقت يفترض أن ينصب اهتمامه على المريض، لا على إدارة منظومة معلوماتية تابعة للدولة.
400 مليون درهم للدولة.. وفاتورة على الطبيب؟
المفارقة الأكثر إثارة سياسياً واقتصادياً أن الائتلاف يشير إلى أن رقمنة الملف الطبي يمكن أن تحقق للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وفورات تقدر بنحو 400 مليون درهم سنوياً، بينما يتحمل الأطباء، وفق البلاغ، تكاليف إضافية مرتبطة بالتجهيز والتكوين والموارد البشرية اللازمة لتنزيل المشروع.. وهنا يتحول السؤال من تقني إلى اجتماعي: “إذا كانت الرقمنة ستوفر المال للمنظومة، فلماذا تبدأ فاتورتها من جيب مقدم الخدمة الصحية او بمعنى ادق من جيب متلقي الخدمة الاخير(المريض)؟”
طبيب أكثر انشغالاً بالإدارة.. ومريض أقل حظاً في العلاج
المشكلة لا تتعلق بالمال فقط، فكلما توسعت الالتزامات الرقمية، ازداد خطر تحويل جزء من وقت الطبيب من التشخيص والعلاج إلى إدخال البيانات وتتبعها وتدبير الملفات.. والنتيجة المحتملة لا تمس الطبيب وحده؛ فالمريض قد يصبح الخاسر غير المرئي عندما تتحول دقائق الفحص إلى دقائق أمام الشاشة و زيادة في الفاتوره.
والأخطر أن تحميل المهني مسؤوليات قانونية وعقوبات عن منظومة لا يتحكم وحده في بنيتها التقنية يفتح سؤالاً حول “عدالة توزيع المسؤولية”: هل يعاقب الطبيب على خطأ مهني فعلاً، أم على عطب أو خلل في نظام رقمي لا يملكه؟
أزمة ثقة تتجاوز القانون
بالنسبة للائتلاف، يأتي المشروع في لحظة كان فيها القطاع يعول على استعادة الثقة بعد اعتماد القانون المنظم للهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، الذي يعتبره المهنيون خطوة إيجابية، ولذلك يرى أن المنحى الجديد يهدد الاستقرار المهني والاجتماعي، وقد يزيد عزوف الأطباء الشباب ويضعف جاذبية القطاع ويدفع مزيداً من الكفاءات إلى الخارج.
ومن هنا يأتي مطلبهم الواضح: التراجع عن المشروع بصيغته الحالية، وفتح حوار جدي مع التمثيليات المهنية لإدخال التعديلات الضرورية.. فالرقمنة التي تنجح في جمع البيانات لكنها تدفع الطبيب إلى الهجرة، وتزيد كلفة العيادة، وتستهلك وقت العلاج، ليست إصلاحاً محايداً.
>السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نريد صحة رقمية؟ بل: أي صحة رقمية نريد، ومن سيدفع ثمنها؟
فإذا كانت الدولة تريد رقمنة المنظومة الصحية في إطار ورش الحماية الاجتماعية، فعليها ألا تحول الطبيب إلى ممول ومستخدم وحارس لمنظومة لا يملك قرارها، وإلا فإن ما يبدأ تحت شعار “تحديث الصحة” قد ينتهي بتحميل القطاع الخاص كلفة إصلاح يفترض أن يخدم الصحة العمومية والمريض أولاً.





