
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تعود السياسة المغربية إلى واجهة المشهد، ليس باعتبارها موعدا انتخابيا عاديا، وإنما باعتبارها محطة يفترض أن تجيب عن سؤال أكبر بكثير من أسماء المرشحين واللوائح والدوائر: هل يؤمل ان تؤدي العملية السياسية لإنتاج تغيير يلمسه المواطن في حياته اليومية؟
لقجع يعد بمغرب يسير بسرعة واحدة
في هذا السياق، اختار فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية والعضو المستجد على المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يرفع شعارا يبدو جذاباً في ظاهره: «مغرب يسير بسرعة واحدة». شعار يحيل إلى العدالة المجالية والتنمية المتوازنة، وإلى تجاوز ما وصفه بـ«مغرب السرعتين»، من خلال البحث عن حلول واقعية وقابلة للتنفيذ وإشراك المواطنين في تشخيص الاختلالات وصياغة الحلول.
لكن المشكلة في المغرب لم تعد فقط في تشخيص الاختلالات. فالكثير من المغاربة يعرفون جيدا أين توجد مناطق الخلل: في تفاوت الخدمات العمومية، وفي فرص الشغل، وفي التعليم والصحة، وفي الفوارق بين المدن والمجالات القروية، وفي شعور متزايد بأن ثمار التنمية لا تصل بالسرعة نفسها إلى الجميع.
المعضلة الأعمق تكمن في شيء آخر: الثقة
فمنذ سنوات، تحولت العملية الانتخابية لدى قطاعات واسعة من المواطنين من لحظة سياسية يفترض أن تفتح باب الاختيار والمحاسبة إلى محطة موسمية تتكرر فيها الوعود، وتتغير فيها الوجوه والتحالفات، بينما يظل السؤال نفسه معلقا: ماذا تغير فعلاً؟
ومع كل استحقاق انتخابي، يجري الحديث عن تجديد النخب، وعن برامج جديدة، وعن مغرب أكثر عدالة وإنصافا، لكن المواطن الذي يقيس السياسة من خلال المدرسة والمستشفى والنقل والسكن والشغل والدخل والقدرة على مواجهة تكاليف الحياة، لا يجد دائما ما يكفي لإقناعه بأن صناديق الاقتراع قادرة وحدها على تغيير المعادلة.
ولذلك فإن بروز لقجع داخل حزب الأصالة والمعاصرة، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات، يفتح نقاشا يتجاوز شخصه وحزبه.
لقجع يأتي إلى المجال السياسي الحزبي من موقع حكومي وغيره وازن
فالرجل يأتي إلى المجال السياسي من موقع حكومي وازن، ويحمل معه صورة المسؤول الذي راكم حضورا في ملفات الاقتصاد والميزانية والرياضة، فيما تتحدث معطيات متداولة عن استعانته بتقارير إقليمية لقياس حظوظ مرشحي الحزب في الدوائر الانتخابية، وسط حديث عن أن لوائح الترشيحات لم تغلق نهائيا، وأن بعض التزكيات قد تخضع للمراجعة بحسب فرص أصحابها في الفوز.
وهنا تحديدا يطرح المشهد سؤالا سياسيا لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام محاولة فعلية لإعادة ترتيب الخريطة الانتخابية على أساس الكفاءة والقدرة على الفوز، أم أمام إعادة إنتاج للممارسات نفسها التي جعلت السياسة في نظر كثيرين أقرب إلى حسابات انتخابية منها إلى مشروع مجتمعي؟
من سيحدد الأولويات الحقيقية للمواطنين؟
فإذا كانت التقارير الانتخابية ستحدد من يستحق التزكية، وإذا كانت الحسابات الانتخابية ستحدد من يبقى ومن يغادر، فماذا عن السؤال الأهم: من سيحدد الأولويات الحقيقية للمواطنين؟ ومن سيضمن أن تتحول الوعود الانتخابية إلى التزامات سياسية قابلة للمحاسبة؟
لقد استُنفدت، إلى حد بعيد، قدرة الخطاب السياسي التقليدي على إقناع الناس بمجرد الشعارات.
المواطن المغربي لم يعد ينتظر فقط أن يسمع عن «مغرب جديد» أو «عدالة مجالية» أو «سرعة واحدة»، بل يريد أن يعرف كيف ستتحول هذه العبارات إلى مدارس ومستشفيات وفرص عمل ونقل عمومي وخدمات إدارية عادلة، وكيف ستصل التنمية فعلاً إلى المناطق التي تشعر بأنها خارج قطارها.
هل تستطيع الانتخابات المقبلة أن تعيد للسياسة معناها
والأهم من ذلك كله: هل تستطيع الانتخابات المقبلة أن تعيد للسياسة معناها، أم أنها ستظل مجرد محطة لإعادة توزيع المقاعد والنفوذ داخل الخريطة الحزبية؟
إن حديث لقجع عن «مغرب السرعة الواحدة» يضعه، ومعه حزبه والحكومة والأحزاب الأخرى، أمام اختبار حقيقي.
فالمطلوب اليوم ليس فقط الفوز بالدوائر، بل إقناع المواطن بأن صوته فعلا قادرا على إحداث فرق، وأن السياسة ليست مجرد لعبة لتغيير المواقع والوجوه.
المشكلة التي تواجه العملية السياسية في المغرب لم تعد في قدرة الأحزاب على تنظيم الحملات أو صناعة المرشحين، وإنما في قدرتها على استعادة المواطن نفسه.
حين يتحول التصويت من فعل أمل إلى فعل شك
فحين يتحول التصويت من فعل أمل إلى فعل شك، وحين تصبح المشاركة السياسية مرتبطة في أذهان كثيرين بالسؤال عما إذا كان شيء سيتغير بعد الانتخابات، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد ضعف المشاركة.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام فوزي لقجع ليس فقط أن يجعل «مغربا يسير بسرعة واحدة» شعارا انتخابيا جذابا، بل أن يثبت أن السياسة نفسها يمكن أن تسير بسرعة مختلفة: بسرعة تستعيد ثقة الناس، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، والوعود بالنتائج، والانتخابات بإمكانية حقيقية للتغيير.
وإلا، فسيبقى السؤال قائماً: هل نحن أمام بداية محاولة لإعادة بناء الثقة في السياسة، أم أمام نسخة قديمة/جديدة من العملية السياسية نفسها، لكن بوجوه وشعارات أكثر “جاذبية”؟





