
يتصدر رفض تسجيل الأطفال في المؤسسات التعليمية بسبب الإعاقة قائمة الأسباب التي تحول دون تمدرسهم في المغرب، إذ يمثل هذا العامل 42.4 في المائة من الحالات التي تم التصريح فيها بأسباب عدم الالتحاق بالمدرسة، وفق نتائج البحث الوطني الثالث حول الإعاقة.
وكشف عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، خلال ندوة صحافية بالرباط خصصت لتقديم نتائج البحث، أن هذا المعطى يطرح بشكل خاص إشكالية تعامل بعض المؤسسات التعليمية الخاصة مع الأطفال في وضعية إعاقة.
وقال الرشيدي إن ظاهرة رفض التسجيل بسبب الإعاقة أصبحت “تلاحظ بكل صراحة في بعض المدارس الخاصة”، مشيراً إلى أنه يتلقى شخصياً شكايات في هذا الموضوع على مستوى كتابة الدولة.
ودعا المسؤول الحكومي القطاع الخاص إلى الانخراط بشكل أكبر في إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة داخل المنظومة التعليمية، والعمل على إزالة العوائق التي تحول دون تمدرسهم، خصوصاً تلك المرتبطة بالكلفة المادية.
المال والمسافة والإدارة.. عوائق أخرى للتمدرس
ولا يقتصر عدم تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة على رفض المؤسسات التعليمية تسجيلهم، إذ تكشف نتائج البحث عن مجموعة من الأسباب الأخرى.
وتأتي الإمكانات المادية والمالية المحدودة للأسر في المرتبة الثانية، بعدما شكلت 26.9 في المائة من الحالات المصرح بها، بينما يمثل بعد المؤسسة التعليمية عن مقر السكن سبباً في 19.5 في المائة من الحالات.
كما أرجعت 17 في المائة من الحالات عدم تمدرس الأطفال إلى غياب اهتمام الأسر أو عدم المبادرة إلى تسجيل أبنائها، في حين ارتبطت 7 في المائة منها بصعوبة وتعقيد الوثائق والإجراءات الإدارية المطلوبة.
ثلث الأطفال تقريباً خارج المدرسة
وبحسب المعطيات الرسمية، فإن 65 في المائة من الأطفال في وضعية إعاقة يتابعون تعليمهم، بينما لم يسبق لـ25.9 في المائة منهم أن التحقوا بالمدرسة على الإطلاق.
غير أن هذه النسبة تخفي تفاوتات كبيرة بحسب طبيعة الإعاقة. فقد بلغت نسبة متابعة الدراسة 71 في المائة لدى الأشخاص في وضعية إعاقة سمعية، و69 في المائة لدى ذوي الإعاقة البصرية، مقابل 50 في المائة فقط لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية.
وتتراجع النسب بشكل أكبر لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات الإدراك والتذكر، حيث لا تتجاوز 36 في المائة، وتنخفض إلى 32 في المائة لدى من لديهم اضطرابات في التواصل، وإلى 31 في المائة لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في العناية بالذات.
المدينة أفضل من القرية
وتكشف النتائج أيضاً عن فجوة بين الوسطين الحضري والقروي في فرص متابعة الدراسة.
ففي المدن تصل نسبة الأطفال في وضعية إعاقة الذين يتابعون دراستهم إلى 68.1 في المائة، مقابل 59.8 في المائة في العالم القروي، بما يعكس استمرار تأثير الموقع الجغرافي على الولوج إلى الخدمات التعليمية.
المدرسة العمومية تستوعب الغالبية
وتظل المؤسسات العمومية الوجهة الرئيسية للأطفال في وضعية إعاقة الذين يتابعون دراستهم، إذ تستقبل 83 في المائة منهم، مقابل 8.8 في المائة فقط في التعليم الخصوصي.
في المقابل، يتابع 3.2 في المائة تعليمهم داخل مراكز متخصصة في الإعاقة، بينما يستفيد 2.3 في المائة من التعليم الأولي، و0.7 في المائة من التكوين المهني، و0.3 في المائة من التعليم العتيق.
لكن الفجوة تتسع عند الانتقال إلى التعليم العالي، إذ لا تتجاوز نسبة الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، ممن يتابعون الدراسة الجامعية أو يتوفرون على شهادة البكالوريا فما فوق، 17 في المائة.
وتنخفض هذه النسبة إلى 8.4 في المائة فقط لدى الفئة العمرية بين 25 و30 سنة.
58.6% من البالغين بلا تعليم
ولا تتوقف مظاهر التفاوت عند الأطفال والشباب، بل تمتد إلى المستوى التعليمي للأشخاص البالغين في وضعية إعاقة.
وأظهر البحث أن 58.6 في المائة من الأشخاص البالغين من سن 10 سنوات فما فوق لا يتوفرون على أي مستوى تعليمي، وهو ما يعكس حجم التأخر المتراكم في ضمان الحق في التعليم بالنسبة لهذه الفئة.
وفي المقابل، استفاد 5.9 في المائة من البالغين، الذين لم يسبق لهم الولوج إلى التعليم، من برامج محو الأمية، بينما تمكن 56.3 في المائة من المستفيدين من هذه البرامج من اكتساب مهارات القراءة والكتابة.
الإعاقة تطال 8.7% من المغاربة
وتأتي هذه النتائج في ظل ارتفاع معدل انتشار الإعاقة في المغرب إلى 8.7 في المائة سنة 2026، مقابل 6.8 في المائة سنة 2014، أي ما يعادل نحو 3.15 ملايين شخص يعانون من إعاقات متوسطة أو شديدة أو عميقة.
وأكد الرشيدي أن ارتفاع النسبة لا يعني بالضرورة أن معدلات حدوث الإعاقة ارتفعت، موضحاً أن الأمر يرتبط أيضاً بتطور أدوات البحث وتوسيع نطاقه واعتماد تصنيفات جديدة، إلى جانب إدراج أنواع من الإعاقات لم تكن حاضرة في البحوث السابقة، مثل اضطرابات طيف التوحد واضطرابات التعلم.
بحث وطني بأكثر من 300 سؤال
وشمل البحث الوطني الثالث حول الإعاقة 20 ألفاً و412 أسرة مغربية، واعتمد استمارة تضم أكثر من 300 سؤال، بعدما كان البحث السابق يعتمد نحو 120 سؤالاً فقط.
كما توسع البحث ليشمل جوانب متعددة من حياة الأشخاص في وضعية إعاقة، من بينها ظروف العيش، والتعرض للعنف، والولوج إلى الخدمات، والنفاذية الرقمية، فضلاً عن اعتماد مقاربة جهوية وترابية في جمع وتحليل المعطيات.
الإعاقة ترتفع مع التقدم في السن
وتختلف معدلات انتشار الإعاقة بشكل واضح حسب الفئات العمرية. فهي لا تتجاوز 1.1 في المائة لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات، قبل أن ترتفع إلى 4.4 في المائة لدى الفئة الممتدة بين 5 و17 سنة.
وتقفز النسبة بشكل لافت لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق، لتصل إلى 26.3 في المائة.
أما ترابياً، فيبلغ انتشار الإعاقة 9.1 في المائة في الوسط القروي مقابل 8.4 في المائة في الوسط الحضري، بينما تمثل النساء 53.6 في المائة من مجموع الأشخاص في وضعية إعاقة، مقابل 46.4 في المائة للرجال.





