الرئسيةسياسة

الملكية البرلمانية والكرامة.. رهان تحالف اليسار

في وقت تتجه فيه الأحزاب السياسية إلى تقديم برامجها استعدادا للانتخابات التشريعية المقررة سنة 2026، اختار تحالف اليسار، المكون من فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، رفع سقف خطابه السياسي، عبر طرح مشروع لا يكتفي بتقديم وعود انتخابية ظرفية، بل يدعو إلى إعادة بناء النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والاقتصاد المنتج.

وتحت شعار «الكرامة أولا»، قدم التحالف، أمس الثلاثاء بالدار البيضاء، برنامجه الانتخابي، معتبرا أن التحولات المتسارعة التي يشهدها المغرب والعالم، على المستويات الجيوسياسية والاقتصادية والبيئية والرقمية والتكنولوجية، تفرض تجاوز منطق التدبير اليومي و«سياسات الترقيع»، والانتقال نحو إصلاحات بنيوية مترابطة.

الملكية البرلمانية في صدارة المشروع السياسي

وضع تحالف اليسار الانتقال الديمقراطي وإرساء الملكية البرلمانية في صدارة مشروعه السياسي، معتبرا أن تجاوز الاختلالات التي يعرفها تدبير الشأن العام يمر عبر إعادة توزيع واضح للسلطة والقرار، وتعزيز دولة الحق والقانون والمؤسسات.

وكشف جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أن التصور الذي يحمله التحالف يقوم على الانتقال من نموذج للحكامة يطغى عليه تمركز السلطة والقرار إلى نظام يقوم على الفصل الحقيقي بين السلط، وتشكيل حكومة منبثقة عن الإرادة الشعبية وتمارس كامل صلاحياتها التنفيذية، مقابل برلمان يتمتع بكامل صلاحياته التشريعية والرقابية.

كما يضع البرنامج استقلال القضاء وسيادة القانون ضمن مرتكزات الإصلاح السياسي، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، باعتبارها مدخلا أساسيا لاستعادة المصداقية للعمل السياسي.

المصالحة الوطنية تبدأ من إطلاق المعتقلين

وفي الجانب الحقوقي، يقترح التحالف ما يسميه «الانفتاح والمصالحة الوطنية»، من خلال إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الحراكات الشعبية والصحفيين والمدونين ومناهضي التطبيع، ووقف المتابعات القضائية المرتبطة بهذه الملفات.

ويعتبر تحالف اليسار أن معالجة هذه القضايا لا تنفصل عن مشروع إعادة بناء الثقة في المؤسسات، وأن المصالحة الوطنية تظل، وفق تصوره، شرطا لإعادة الاعتبار للمشاركة السياسية وفتح المجال أمام حياة ديمقراطية أكثر انفتاحا.

ضرب تقاطع السلطة والمال ومحاصرة الريع

في الشق المرتبط بالحكامة ومحاربة الفساد، يدعو البرنامج إلى وضع حد لتداخل السلطة بالمال، وتجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، فضلا عن استرجاع الأموال المنهوبة.

كما يطالب بتفعيل مؤسسات الحكامة والرقابة المالية والإدارية على أساس الاستقلال والصرامة، في تصور يربط مكافحة الفساد بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، ومحاصرة مظاهر الريع والاحتكار التي يعتبرها التحالف من أبرز مكامن الاختلال البنيوي.

اقتصاد منتج بدل اقتصاد الريع

ولا يفصل التحالف بين الإصلاح السياسي والتحول الاقتصادي، إذ يرى أن دولة المؤسسات تشكل شرطا لاقتصاد منتج قادر على مواجهة الريع والاحتكار والفساد، وتوفير الموارد الضرورية لتمويل الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، يضع البرنامج الانتقال الاقتصادي ضمن ثلاثة انتقالات مترابطة يقترحها للخروج من الوضع القائم، إلى جانب الانتقال الديمقراطي والانتقال الاجتماعي، بما يعكس تصورا يعتبر أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

العدالة الاجتماعية في قلب شعار «الكرامة»

ويربط التحالف رهانه على الانتقال الاجتماعي بمفهوم الكرامة، باعتبارها جوهر مشروعه الانتخابي، وبضرورة بناء سياسات عمومية قادرة على ضمان خدمات اجتماعية ذات جودة، وتوفير شروط أكثر عدلا للعيش والعمل والاستفادة من ثمار التنمية.

وبالنسبة للتحالف، فإن الاقتصاد المنتج ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لتوفير الموارد التي تسمح للدولة بتمويل الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، وهو ما يجعل الانتقال الاجتماعي امتدادا مباشرا للإصلاح الاقتصادي والسياسي.

دبلوماسية مستقلة وفلسطين خارج حسابات التطبيع

وفي السياسة الخارجية، يؤكد تحالف اليسار تمسكه بالوحدة الترابية للمغرب، ويدعو في الوقت نفسه إلى اعتماد دبلوماسية مستقلة وفاعلة، مع ضمان الحقوق السياسية والمواطنة الكاملة لمغاربة العالم.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، يجدد التحالف موقفه الداعم للشعب الفلسطيني، مطالبا بوقف أشكال التطبيع وإلغاء الاتفاقيات المرتبطة به، واضعا هذا الموقف ضمن تصور أوسع للسياسة الخارجية يقوم، بحسب برنامجه، على الاستقلالية والحقوق والقضايا العادلة.

ثلاثة انتقالات لإعادة بناء النموذج

بهذا البرنامج، يحاول تحالف اليسار تقديم نفسه أمام الناخبين ليس باعتباره صاحب «عرض انتخابي» محدود الوعود، وإنما كحامل لمشروع تغيير شامل يقوم على ثلاثة انتقالات: ديمقراطي واقتصادي واجتماعي.

ويختصر التحالف رهانه في معادلة مفادها أن الانتقال الديمقراطي يؤسس لدولة المؤسسات، ودولة المؤسسات تفتح الطريق أمام اقتصاد منتج، والاقتصاد المنتج يوفر شروط بناء دولة اجتماعية أكثر قدرة على ضمان الكرامة والعدالة الاجتماعية.

ومن هنا، لا تبدو عبارة «الكرامة أولا» مجرد شعار انتخابي بالنسبة إلى التحالف، بل عنوانا لمشروع يريد من خلاله إعادة ترتيب العلاقة بين الديمقراطية والاقتصاد والمجتمع، والقطع مع ما يعتبره اختلالات بنيوية لم يعد بالإمكان، في نظره، معالجتها بالحلول الجزئية أو التدبير اليومي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى