الرئسيةسياسة

سبتة..الهجرة تفضح حدود المقاربة الأمنية

لم تعد تداعيات موجة الهجرة الجماعية التي هزت سبتة نهاية يوليوز الماضي مجرد أزمة محلية مرتبطة بتدبير الحدود، بعدما وجدت سلطات الجيب الإسباني نفسها مضطرة إلى طلب تدخل مباشر من الاتحاد الأوروبي.

وبينما تصر إسبانيا على مقاربة تقوم أساسا على تشديد المراقبة الحدودية والتنسيق مع المغرب، تكشف الأرقام وحجم الضغط على الخدمات الاجتماعية أن أزمة الهجرة تتجاوز منطق الأسلاك والحواجز الأمنية، وتطرح أسئلة أوسع حول مسؤولية الرباط ومدريد وبروكسل في معالجة أسبابها وتداعياتها.

فيفاس يطرق باب بروكسل

في هذا السياق، أطلق رئيس سبتة، خوان خيسوس فيفاس، نداء استغاثة من داخل البرلمان الأوروبي، مطالبا الاتحاد الأوروبي بمساعدات عاجلة تشمل الموارد البشرية واللوجستية والتمويل، لمواجهة ما وصفه بتدفق غير مسبوق للمهاجرين.

ولم يطالب فيفاس بدعم ظرفي فقط، بل دعا إلى إقامة وجود أوروبي دائم في سبتة، مقترحا أن تتولى ذلك وكالة حماية الحدود الأوروبية «فرونتكس» أو وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء.

وتحمل هذه الدعوة دلالة سياسية واضحة، إذ تسعى سلطات الجيب إلى جعل الاتحاد الأوروبي طرفا مباشرا في تدبير إحدى أكثر نقاط حدوده حساسية، بعدما أثبتت التطورات الأخيرة أن الإمكانيات المحلية والإسبانية وحدها لا تكفي لمواجهة أزمات بهذا الحجم.

من أمن الحدود إلى كلفة الأزمة

ويطالب رئيس سبتة بروكسل أيضا بالمساهمة في تمويل البنية التحتية الضرورية لتعزيز الحدود مع المغرب، إلى جانب توفير موارد مالية إضافية للتعامل مع التداعيات الإنسانية.

غير أن تحويل جزء كبير من النقاش إلى تمويل الحواجز وتأمين الحدود يطرح سؤالا أساسيا: هل تكفي المقاربة الأمنية لاحتواء أزمة تتغذى من الفقر والبطالة وانسداد الأفق والهشاشة الاجتماعية؟

فحتى مع تشديد المراقبة، تظل موجات الهجرة الجماعية تعبيرا عن أزمة أعمق من مجرد اختراق حدود أو تسلق سياج.

القاصرون.. الوجه الأكثر قسوة للأزمة

ويبدو الضغط أكثر وضوحا في ملف القاصرين غير المصحوبين بذويهم، الذين باتوا يشكلون إحدى أكبر تحديات سلطات سبتة، في ظل محدودية قدرتها على توفير الإيواء والرعاية والحماية الاجتماعية.

ويرى فيفاس أن هذه الفئة تحتاج إلى دعم أوروبي مباشر، في وقت تتحمل فيه سلطات الجيب أعباء تفوق إمكانياتها.

لكن هذه المعادلة تفتح بدورها نقاشا حول مسؤولية الدول الأوروبية في التعامل مع القاصرين المهاجرين، وعدم ترك مدن حدودية مثل سبتة تتحمل وحدها نتائج سياسة هجرة تُدار على مستوى أوروبي.

72 ألف مهاجر في يومين

وتستند السلطات الإسبانية في طلبها إلى حجم التدفق الذي شهدته سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضيين. ووفقا للأرقام التي أعلنتها الحكومة الإسبانية، وصل نحو 72 ألف مهاجر قادمين من المغرب خلال يومين، عبر السباحة أو تسلق الحواجز والأسلاك الشائكة.

وتصف إسبانيا هذه الموجة بأنها الأكبر من نوعها في المنطقة، وهو ما أعاد سبتة إلى قلب الجدل الأوروبي حول الهجرة، بعد أن تحولت المدينة الصغيرة إلى نقطة ضغط تكشف هشاشة منظومة تدبير الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

المغرب وإسبانيا.. شراكة أمنية أمام اختبار جديد

وتضع الأزمة أيضا التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة أمام اختبار جديد. فمدريد تعتمد منذ سنوات على التعاون الأمني مع الرباط للحد من تدفقات المهاجرين، بينما يجد المغرب نفسه في مواجهة ضغط أمني واجتماعي متزايد في المناطق الشمالية، حيث تتحول محاولات الوصول إلى سبتة إلى أحد أكثر مظاهر أزمة الهجرة حدة.

لكن استمرار الاعتماد على التعاون الأمني وحده يطرح تساؤلات حول فعالية هذه المقاربة على المدى الطويل، خصوصا عندما تعود موجات الهجرة بقوة رغم الإجراءات الأمنية المشددة.

أوروبا تريد الحدود.. ومن يدفع الثمن؟

وفي خلفية طلب سبتة للمساعدة، تبرز معادلة أوروبية قديمة: الاتحاد الأوروبي يريد حماية حدوده الخارجية ووقف تدفقات الهجرة، لكنه يعتمد في تحقيق ذلك على دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب، فيما تتحمل المناطق الحدودية الجزء الأكبر من الكلفة الإنسانية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن مطالبة فيفاس بأموال أوروبية وحضور دائم لـ«فرونتكس» أو وكالة اللجوء لا تعكس فقط حجم الأزمة في سبتة، بل تكشف أيضا حدود سياسة أوروبية جعلت من أمن الحدود أولوية، دون أن تنجح في معالجة الأسباب التي تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى.

وتبدو سبتة، في هذه اللحظة، أكثر من مجرد نقطة حدودية بين المغرب وإسبانيا؛ إنها مرآة لأزمة أكبر، تتقاطع فيها مسؤوليات المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بينما يبقى المهاجرون، وخاصة القاصرون، في قلب الكلفة الإنسانية لهذه المعادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى