
إسرائيل ليست حليفا،كبرنا على فلسطين..فكيف نُطبع؟
بقلم: أحمد دابا
كبرنا ونحن نقرأ العالم، لا من خلال بيانات الدبلوماسية الرسمية وحدها، وإنما من خلال ما يحدث للشعوب، ومن خلال سؤال بسيط: أين يقف الحق وأين يقع الظلم، وحيث يكون الظلم سأقاومه؟
وكبرنا، قبل كل شيء، ونحن نرى فلسطين باعتبارها واحدة من أكبر مظالم عصرنا، شعبا يُقتل ويُهجر وتُحتل أرضه، فيما يتعامل جزء كبير من العالم مع المأساة بمنطق المصالح والحسابات السياسية.
لذلك، فإن رفع التمثيل الدبلوماسي المغربي مع إسرائيل إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء ليس بالنسبة إلي مجرد إجراء دبلوماسي. إنه اختيار سياسي أرفضه بوضوح.
أنا ضد إسرائيل ككيان استعماري واستيطاني، وضد التطبيع معها، وضد تحويل هذه العلاقة إلى أمر طبيعي في حياة المغرب السياسية والدبلوماسية.
الصحراء ليست ثمناً لإسرائيل
أرفض بشدة ربط التطبيع بقضية الصحراء المغربية، الصحراء قضية وطنية عادلة بالنسبة إلي، وإلى عموم الشعب المغربي وقواه الحية، وأدافع عن مغربيتها دون تردد، لكنني لا أقبل أن تتحول هذه القضية إلى مبرر للتطبيع، أو إلى ورقة في علاقة المغرب بإسرائيل.
لا يمكن أن ندافع عن حقنا في الأرض ونبرر في الوقت نفسه احتلال أرض شعب آخر، ولا يمكن أن تصبح عدالة الصحراء رهينة بعلاقة مع كيان أراه قائما على الاستيطان والاحتلال وعلى اللاعدل.
المغرب لا يحتاج إلى إسرائيل كي يدافع عن صحرائه، ولا يحتاج إلى شرعية مستمدة منها كي يدافع عن قضيته الوطنية، وهذه عكس ما سيقال ليست يوطوبيا ولا أحلام ولانظرة غير واقعية، بل هي بحساب السياسة وتفاعلتها، تذهب أن الكيان الصهيوني يعزل، وحليفه الأكبر تتفاعل داخله تطورات كل شيء فيها يتجه لا للمساندة الأبدية لاسرائيل بل العكس تماما.
لا يمكنني أن أكون ضد الاستعمار هنا ومعه هناك
هذه بالنسبة إلي، فلسطين وتحررها، ليست قضية دينية أو قومية فقط، رغم أن لفلسطين مكانة عميقة في وجدان المغاربة، حتى من هذه الزاوية وأنا احترمها وأقدرها..
إنها قضية مبدأ.
العقيدة الشعبية المغربية التي تربينا عليها تقوم على رفض إذلال الشعوب والاستعباد والاحتلال والانحياز إلى المظلوم.
ولهذا لا أستطيع أن أقول إن الاحتلال مرفوض عندما يتعلق الأمر بنا، ثم أتعامل معه باعتباره أمرا عاديا عندما يتعلق بالفلسطينيين.
الاستعمارمرفوض، ومرفوض اكثر وأكثر ل وغير مقبول نهائيا عندما يصبح يراد له أن يقدم وكأنه جزءا من مصالحنا السياسية.
لماذا الآن؟
يزداد رفضي لهذه الخطوة بسبب توقيتها، إذ في الوقت الذي ما تزال فيه غزة والضفة والقدس، تحمل آثار حرب مدمرة، وفي الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل اتهامات وإجراءات أمام مؤسسات قضائية دولية، اختار المغرب أن يرفع مستوى علاقاته معها إلى مستوى السفارات.
بالنسبة إليّ، لا يمكن فصل التوقيت عن الرسالة السياسية.
لا أستطيع أن أنظر إلى تبادل السفراء وكأنه بروتوكول عادي، بينما ما تزال صور الأطفال الفلسطينيين والدمار والتهجير حاضرة أمام أعيننا.
لا أريد أن يصبح التطبيع أقوى ويتمدد في كل حين، كلما أصبحت المأساة الفلسطينية أكبر.
لا أريد أن تصبح إسرائيل طبيعية في المغرب، وهي ابدا شعبيا لن تكون طبيعية، مثلما لا أقبل اللغة التي تختزل الأمر في “شراكة” و”تعاون” و”مصالح مشتركة”.
بالنسبة إليّ، هذه الكلمات لا تستطيع محو حقيقة أنني أرى إسرائيل كيانا استعماريا واستيطانيا، وأنني أرفض أن تتحول علاقتنا به إلى علاقة طبيعية.
كما لا أستطيع أن أتجاهل أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
لا أريد أن يُفرض علينا الاختيار
لا أقبل أن يوضع المغربي أمام معادلة زائفة: إما أن تؤيد التطبيع وإما أنك ضد الصحراء.
أنا مع مغربية الصحراء، وضد التطبيع.
ولا أرى أي تناقض بين الموقفين.
أستطيع أن أدافع عن بلدي، وأن أرفض في الوقت نفسه احتلال شعب آخر.
وأستطيع أن أكون مغربيا إلى أقصى الحدود، وأن أبقى منحازا إلى فلسطين.
المغرب قادر على الدفاع عن مصالحه وعن صحرائه بعلاقاته ودبلوماسيته وقوته، دون أن يجعل فلسطين ثمنا سياسيا.
هذا موقفي
أنا لا أرفض التطبيع لأنني ضد المغرب، بل لأنني أريد مغربا قويا لا يساوم على المبادئ.
لا أريد أن تكون الصحراء جسرا إلى إسرائيل.
ولا أريد أن تكون فلسطين ضريبة تُدفع في صفقات السياسة.
ولا أريد أن تصبح إسرائيل حليفا طبيعيا للمغرب، لأنها كيان غير طبيعي، وكشفت طبيعتها الإجرامية مع يمين يخوض حروبه بمنطق يهدد العالم بأسره، ويهدد ما تبقى من سلمه.
لقد كبرنا ونحن نقرأ العالم، وكبرنا ونحن نرى أن فلسطين ليست خبرا عابرا ولا قضية بعيدة.
فلسطين هي الامتحان.
والنسبة إلي، الموقف واضح:
الصحراء مغربية، والاستعمار مرفوض، وفلسطين ليست ثمنا لأي صفقة.
هذا موقفي.





