الرئسيةسياسة

طنجة.. حين يطبخ الخرق من داخل مكتب التصويت

لم تعد قضية الأوراق الانتخابية التي ضُبطت داخل حقيبة بطنجة مجرد واقعة تتعلق بشخص جرى توقيفه خارج مكتب للتصويت.

فالمعطيات التي كشفت عنها النيابة العامة تنقل القضية إلى مستوى أكثر حساسية: الاشتباه في أن جزءا من العملية جرى من داخل مكاتب التصويت نفسها، وبمشاركة أشخاص كانوا مكلفين بالسهر على سير الاقتراع.

وهنا يتغير السؤال

لم يعد السؤال فقط: من كان يحمل الحقيبة؟ بل أصبح: كيف خرجت أوراق التصويت من المكتب، ومن سهّل خروجها، ولماذا أعيدت إليه لاحقاً؟

الحقيبة ليست بداية القصة

في 23 شتنبر، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة فتح بحث قضائي بشأن ضبط شخص بحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية.

لكن الأبحاث الأولية، وفق بلاغ النيابة العامة، كشفت أن الشخص المعني ليس مجرد شخص يوجد عرضاً بالقرب من العملية الانتخابية، بل يشغل مهمة نائب رئيس مكتب للتصويت.

والأكثر أهمية أن البحث أظهر، حسب النيابة العامة، اشتباهه في اختلاس مجموعة من أوراق التصويت من داخل المكتب بمساعدة رئيس المكتب، ووضعها في حقيبة ثم إخراجها من المؤسسة التي يوجد بها مكتب التصويت.

بمعنى آخر، فإن الواقعة لم تبدأ عند الحقيبة، وإنما قبل الحقيبة، داخل مكتب التصويت نفسه.

من يحرس الأوراق؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية في القضية.

فمكاتب التصويت ليست فضاءً عادياً، والمسؤولون الموجودون فيها ليسوا متفرجين على العملية الانتخابية. إنهم جزء من آلية تنظيم الاقتراع وحماية أوراقه وضمان سلامة إجراءاته.

وحين تقول النيابة العامة إن المشتبه فيه الذي ضبطت بحوزته الأوراق كان نائب رئيس مكتب، وإن رئيس المكتب نفسه يشتبه في مساعدته، فإن القضية تفتح سؤالاً يتجاوز الأشخاص: ماذا يحدث عندما يصبح بعض من أوكلت إليهم حماية العملية الانتخابية جزءاً من الوقائع التي يحقق فيها القضاء؟

هذا السؤال لا يحسمه الإعلام، ولا يمكن أن تحسمه الانطباعات. التحقيق القضائي وحده هو الذي سيحدد المسؤوليات.

الأوراق خرجت ثم عادت

بحسب المعطيات الرسمية، لم يكن الأمر مجرد إخراج أوراق من المكتب.

فالأبحاث الأولية تشير إلى أن الأوراق أخرجت من المؤسسة، قبل أن تتم لاحقاً إعادتها إلى مكتبي التصويت بتنسيق مع باقي الأشخاص المشتبه في تورطهم.

وهنا تظهر حلقة أخرى في القضية.

فإذا كان التحقيق سيثبت الوقائع كما تشتبه فيها النيابة العامة، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد حيازة أوراق انتخابية، وإنما بسلسلة أفعال تبدأ من داخل المكتب وتنتهي بالعودة إليه.

ومن هنا تأتي أهمية تحديد دور كل شخص، وتوقيت كل خطوة، والغاية من إخراج الأوراق وإعادتها.

الحبر يضيف علامة استفهام

الأبحاث القضائية كشفت أيضاً، وفق بلاغ النيابة العامة، أن نوع الحبر المستعمل في الأوراق الانتخابية المحجوزة يختلف عن الحبر المستخدم في مكاتب التصويت.

هذه المعطيات لا تشكل في حد ذاتها حكماً قضائياً، لكنها تدخل ضمن عناصر البحث التي ستساعد التحقيق على تحديد طبيعة الأوراق وظروف تداولها ومصدرها وكيفية التعامل معها.

والأهم أن النيابة العامة لم تتعامل مع هذه الواقعة باعتبارها ملفاً مغلقاً بمجرد توقيف الأشخاص، بل قررت توسيع دائرة البحث للكشف عن جميع المتورطين المحتملين.

خمسة موقوفين.. والتحقيق مستمر

أسفرت الأبحاث الأولية عن توقيف خمسة مشتبه فيهم: رئيسي مكتبي تصويت، ونائبيهما، وشخص آخر.

وقد تم تقديم أربعة منهم أمام النيابة العامة، بينما ظل الخامس تحت الحراسة النظرية إلى حين انتهاء البحث معه وتقديمه أمام النيابة العامة.

لكن الرقم خمسة لا يمثل بالضرورة نهاية التحقيق.

فالنيابة العامة أكدت صراحة حرصها على استيفاء جميع الظروف المحيطة بالواقعة والكشف عن كافة الأشخاص المتورطين، أياً كانت صفاتهم أو مواقعهم.

ولهذا تقدمت بمطالبة إلى قاضي التحقيق لإجراء تحقيق مع المعنيين بالأمر في حالة اعتقال احتياطي، للاشتباه في ارتكاب جنايات مرتبطة بانتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيه.

قلب القضية ليس الحقيبة

القضية، من زاوية أوسع، لا تختزل في صورة شخص يحمل حقيبة مليئة بأوراق انتخابية.

الصورة الأهم توجد خلفها: أوراق خرجت، ومسؤولون عن مكتب تصويت يوجدون ضمن دائرة الاشتباه، وأوراق أعيدت لاحقاً، ومعطى تقني يتعلق باختلاف نوع الحبر، ثم إحالة الملف نحو التحقيق القضائي.

لهذا فإن التعامل مع القضية باعتبارها مجرد “واقعة الحقيبة” قد يخفي جوهرها الحقيقي.

فالاختبار هنا لا يتعلق فقط بالشخص الذي ضبطت بحوزته الأوراق، وإنما بمدى قدرة منظومة الاقتراع نفسها على حماية أوراق التصويت من داخل مكاتبها.

القضاء هو الذي سيضع النقطة الأخيرة

ومع ذلك، تبقى كل هذه المعطيات في إطار الأبحاث والاشتباه، ولا تعني ثبوت المسؤولية الجنائية على الأشخاص المعنيين قبل انتهاء التحقيق وصدور الأحكام القضائية.

فالنيابة العامة أحالت الملف إلى قاضي التحقيق، والقضاء هو الجهة التي ستحدد الوقائع الثابتة والمسؤوليات القانونية.

لكن القضية طرحت بالفعل سؤالاً أكبر من أسماء المشتبه فيهم:

إذا كانت أوراق الاقتراع قد خرجت من داخل مكتب التصويت، فالسؤال الحقيقي ليس فقط من حمل الحقيبة، بل كيف أمكن للحقيبة أن تخرج أصلاً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى