الرئسيةسياسة

تقرير حقوقي: حين يُشترى الصوت ويُحاصر الاختيار

لم تنتهِ الأسئلة المرتبطة بنزاهة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر بمجرد الإعلان عن نتائجها، إذ أعادت تقارير رصد حقوقية فتح النقاش حول الممارسات التي ما تزال تشوب التنافس الانتخابي بالمغرب، من شراء الأصوات واستغلال النفوذ المالي إلى خروقات سرية التصويت ورفض تسليم محاضر مكاتب الاقتراع، فضلا عن أشكال جديدة من التأثير الرقمي والتضليل عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، سلط تقرير حديث للمركز المغربي لحقوق الإنسان الضوء على مجموعة من الاختلالات التي رافقت مختلف مراحل العملية الانتخابية، معتبراً أن استمرار هذه الممارسات يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية، ويثير تساؤلات بشأن مدى احترام القواعد المؤطرة للمنافسة الديمقراطية.

المال الانتخابي.. المنافسة تحت تأثير الإغراءات

وضع التقرير توظيف الأموال خارج الضوابط القانونية واستغلال المساعدات والمنافع العينية في صدارة الممارسات التي أضرت بنزاهة التنافس الانتخابي، لما لها من تأثير مباشر على حرية الاختيار لدى الناخبين ومبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين.

كما رصد وجود وسطاء وسماسرة بالقرب من بعض مراكز التصويت، بهدف استمالة الناخبين وتوجيه اختياراتهم، في ممارسات تفرغ التصويت من مضمونه الديمقراطي وتحول أصوات المواطنين إلى مجال للمساومة والاستغلال.

ولم تقتصر الاختلالات المسجلة على المال الانتخابي، بل شملت أيضاً توظيف بعض الوسائل والخدمات العمومية لأغراض دعائية، فضلاً عن استغلال الأوضاع الاجتماعية الهشة للنساء والأطفال في المناطق القروية والهامشية، من خلال إشراكهم في المسيرات والأنشطة الانتخابية.

من العنف الميداني إلى التضليل بالذكاء الاصطناعي

وسجل المركز الحقوقي أن أجواء التنافس لم تخلُ من مظاهر التوتر، حيث شهدت بعض المحطات احتكاكات لفظية وتدافعاً وإتلافاً لملصقات انتخابية تخص منافسين، وهي وقائع استدعت تدخل السلطات الأمنية لاحتواء الوضع.

وفي المقابل، برز الفضاء الرقمي باعتباره إحدى ساحات الصراع الانتخابي، بعدما أتاح انتشار المحتويات المفبركة والأخبار المضللة، بما في ذلك المواد المنتجة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، إلى جانب استخدام حسابات وهمية لاستهداف الخصوم السياسيين والترويج لمعطيات زائفة.

وحذر التقرير من أن هذه الممارسات الرقمية، إلى جانب الانتشار غير المنضبط للإعلانات الممولة على منصات مثل فيسبوك وتيك توك، ساهمت في تعميق الفوارق المالية والتنظيمية بين الأحزاب والمرشحين، في ظل الحاجة إلى قواعد أكثر وضوحاً لضبط الحملات الانتخابية عبر الإنترنت.

تصوير أوراق التصويت ورفض المحاضر.. خروقات تمس شفافية النتائج

ومن بين التجاوزات التي أثارها التقرير، تسجيل حالات خرق لسرية الاقتراع، بعدما جرى تداول صور ومقاطع مصورة لبطاقات التصويت من داخل المعازل الانتخابية، التُقطت باستخدام الهواتف المحمولة.

واعتبر المركز أن هذه الوقائع تثير مخاوف بشأن احتمال توظيف الصور لإثبات تنفيذ التزامات مرتبطة بشراء الأصوات، بما يمس بحرية الناخب وسرية اختياره، وهما من الضمانات الأساسية للعملية الانتخابية.

كما توقف التقرير عند استمرار الامتناع عن تسليم محاضر مكاتب التصويت، معتبراً أن هذه الممارسة تعرقل مراقبة النتائج وتضعف شروط الشفافية، فضلاً عن تسجيل حالات تضييق على الملاحظين الميدانيين أثناء أداء مهامهم.

وفي السياق ذاته، أشار إلى استمرار مؤشرات النفوذ المالي ومحاولات التلاعب بنتائج الاقتراع، مستحضراً ما جرى رصده في طنجة، حيث تظل الحاجة قائمة إلى كشف حقيقة الوقائع موضوع البحث وترتيب المسؤوليات القانونية بشأنها.

مشاركة محدودة وأزمة ثقة في الوساطة الحزبية

وبعيداً عن الخروقات المسجلة، أعاد التقرير طرح سؤال العلاقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، في ضوء بلوغ نسبة المشاركة الوطنية، وفق الأرقام الواردة فيه، 38.02 في المائة.

ويرى المركز أن هذه النسبة تعكس استمرار أزمة الثقة في الوساطة الحزبية والسياسية، خصوصاً في المدن الكبرى، حيث يتسع العزوف عن المشاركة، ولا سيما في صفوف الشباب.

كما لفت إلى أن الأصوات الملغاة والبيضاء قد تعكس، في بعض الحالات، أشكالاً من الاحتجاج أو عدم الرضا عن العرض السياسي المتاح، بما يستدعي قراءة أعمق لدلالاتها بدل الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها أرقاماً ضمن الحصيلة الانتخابية.

النساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة.. تمثيلية دون الطموحات

وعلى مستوى الترشيحات، سجل التقرير محدودية حضور النساء على رأس اللوائح المحلية، إذ لم تتجاوز نسبتهن 7.5 في المائة، وهو ما يكشف، بحسب خلاصاته، استمرار العوائق التي تحول دون وصول النساء إلى مواقع متقدمة في المنافسة الانتخابية.

كما اعتبر أن المقتضيات القانونية الجديدة المرتبطة بترشيحات الشباب لم تحقق الأثر المنتظر، مستنداً إلى اقتصار الترشيحات المستقلة للشباب على لائحتين فقط على المستوى الوطني، في مؤشر على الصعوبات التي تواجه المبادرات المستقلة أمام نفوذ التنظيمات والماكينات الحزبية التقليدية.

ولم يغفل التقرير استمرار تهميش الأشخاص في وضعية إعاقة، بما يطرح تحديات إضافية بشأن مدى شمولية المشاركة السياسية وضمان تكافؤ فرص الولوج إلى المؤسسات المنتخبة.

فتح ملفات الانتخابات ومحاسبة المتورطين

وفي مواجهة الاختلالات التي رصدها، دعا المركز المغربي لحقوق الإنسان إلى الكشف عن النتائج الكاملة للأبحاث والتحقيقات القضائية والإدارية المتعلقة بالجرائم الانتخابية وشراء الأصوات، مع إيلاء ملف طنجة أهمية خاصة، وضمان ترتيب المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون.

كما أوصى بمراجعة التشريعات المنظمة للانتخابات، بما يسمح بتعزيز المراقبة المحاسباتية لمصادر التمويل الانتخابي وأوجه صرفه، ووضع قواعد أكثر دقة لتنظيم الدعاية الرقمية والتصدي للمحتويات المضللة والتزييف بالذكاء الاصطناعي، مع احترام حرية الرأي والتعبير التي يكفلها الدستور.

وشدد التقرير كذلك على ضرورة اتخاذ تدابير عملية لحماية سرية التصويت، من خلال منع إدخال الهواتف المحمولة وأجهزة التصوير إلى المعازل الانتخابية، بما يحول دون استغلال صور أوراق التصويت للتأثير على الناخبين أو مراقبة اختياراتهم.

وتعيد هذه الخلاصات ملف نزاهة الانتخابات إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط من زاوية المخالفات التي قد تستوجب المتابعة القضائية، بل أيضاً من زاوية الإصلاحات الضرورية لاستعادة الثقة في العملية الانتخابية، وضمان أن تكون صناديق الاقتراع تعبيراً حراً عن إرادة المواطنين، لا انعكاساً لتفاوت الإمكانات المالية أو النفوذ أو القدرة على توجيه الناخبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى