الرئسيةحول العالم

شباب فرنسا يرفع التحدي في وجه السلطة

تعيش فرنسا على وقع موجة احتجاجات اجتماعية متصاعدة، انطلقت من المؤسسات التعليمية قبل أن تمتد إلى قطاعات مهنية واجتماعية متعددة، في مشهد يعكس اتساع دائرة الغضب من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتزايد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة والرئيس إيمانويل ماكرون.

تصاعد حدة التوتر في الشارع مع تدخل قوات الأمن

وبينما يرفع المحتجون مطالب تتعلق بتحسين ظروف الدراسة وتوفير الموارد البشرية والإمكانات اللازمة للمدارس، تتصاعد حدة التوتر في الشارع مع تدخل قوات الأمن لتفريق التجمعات، ما يثير مجددا النقاش بشأن الحق في الاحتجاج وحدود استخدام القوة.

وفي العاصمة باريس، تحولت مظاهرة انطلقت من ساحة الجمهورية باتجاه ساحة كليشي، السبت، من تجمع اتسم في بدايته بالأجواء الاحتفالية والمشاركة الشبابية الواسعة، إلى مواجهات بين بعض المتظاهرين وقوات الأمن، بعدما أقدم شبان ملثمون على مهاجمة الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع، وسط حالة من الكر والفر.

الشباب في الشارع.. ورسالة إلى الطبقة الحاكمة

في قلب هذه التحركات، برز صوت الشباب الرافض لما يعتبره تجاهلا لمطالبه، حيث أكدت مارلين، البالغة من العمر 22 عاما، والطالبة بجامعة سان دوني والمتخصصة في مجال البيئة، أن الاحتجاجات السلمية لا تجد الاستجابة المطلوبة من السلطات، متهمة الحكومة باللجوء إلى القوة بدلا من فتح حوار جدي مع المحتجين.
وقالت مارلين، في تصريح  نقلته، قناة فرانس 24، إن المتظاهرين يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم، لكنهم يواجهون تدخلات أمنية تشمل استخدام خراطيم المياه، معتبرة أن هذه الممارسات تزيد من غضب الشباب وتدفعهم إلى التفكير في توسيع تحركاتهم الاحتجاجية.

وأوضحت أن أزمة التعليم ليست جديدة بالنسبة إليها، إذ عاينت خلال سنوات دراستها الثانوية مشكلات الاكتظاظ داخل الأقسام، والنقص في أعداد المدرسين، وهي اختلالات ترى أنها ما تزال قائمة، في وقت تصطدم فيه مطالب الطلاب، بحسب تعبيرها، برفض حكومي لا يأخذ معاناتهم بالجدية اللازمة.

وعبرت الشابة عن تشاؤمها إزاء مستقبل الشباب في فرنسا، معتبرة أن خروجهم للدفاع عن العدالة والحقوق لا يقابله إنصات كافٍ من الدولة، بل يواجه، في نظرها، بمحاولات إسكات الأصوات المحتجة.

ورغم تفكيرها في مغادرة فرنسا والعودة إلى بلدها الأصلي فيتنام، فإن مارلين لا تزال مرتبطة ببلد نشأتها، الذي تصفه بأنه فضاء غني بالتنوع الثقافي والإنساني.

وأكدت اعتزازها بالعيش في الضواحي الباريسية وسط شباب من أصول عربية وإفريقية وآسيوية، معتبرة أن هذا التعدد من أبرز ما يجعل فرنسا بلدا تحب الانتماء إليه.

ساحة الجمهورية.. من الموسيقى والشعارات إلى المواجهات

منذ الساعات الأولى لصباح السبت، شهدت ساحة الجمهورية في باريس توافد أعداد كبيرة من المحتجين، كان الطلاب والشباب في مقدمة المشاركين. ورفع المتظاهرون شعارات تنتقد الحكومة والرئيس إيمانويل ماكرون، كما عبروا عن رفضهم لما يعتبرونه عنفا شرطيا، مطالبين بتغيير السياسات المتبعة والاستجابة للمطالب الاجتماعية.

وحملت بعض اللافتات رسائل مباشرة ضد السلطة، من بينها شعارات تدعو إلى وضع حد لعنف الشرطة ضد المراهقين، وأخرى تتوعد بمواجهة سياسات ماكرون خلال الانتخابات الرئاسية المرتقبة سنة 2027.

وفي بداية التجمع، طغت أجواء من التعبئة السلمية، امتزجت فيها الأغاني ذات المضامين النضالية بالعزف والرقص والهتافات الجماعية.

وشكلت فرقة موسيقية يقودها شباب وطلاب إحدى أبرز مظاهر الحضور الاحتجاجي، قبل أن يتغير المشهد مع اندلاع التوترات.

وبعد إقدام شبان ملثمين على مهاجمة عناصر الأمن، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع في مناطق مختلفة من الساحة، ما دفع المحتجين إلى التفرق والبحث عن أماكن أقل تأثرا بالغاز.

وتواصلت المواجهات في شكل عمليات كر وفر، وسط تبادل الانتقادات بين بعض المتظاهرين وعناصر الشرطة.

الثقافة والفن في قلب الاحتجاج

لم تمنع المواجهات وتكاثف الغاز المسيل للدموع بعض المشاركين من مواصلة حضورهم، إذ اختارت لورانس، وهو اسم مستعار، البقاء في ساحة الجمهورية حاملة آلة الكمان، للمشاركة في العزف والغناء مع الفرقة الموسيقية التي رافقت المظاهرة.

وجسد حضورها جانبا آخر من التعبئة الاحتجاجية، حيث لا تقتصر المشاركة على رفع الشعارات السياسية والاجتماعية، بل تمتد إلى التعبير الفني والثقافي، في محاولة للحفاظ على الطابع الجماعي للحركة وإبراز ارتباطها بقيم الحرية والتنوع.

من أبواب المدارس إلى الشارع.. كيف اتسعت دائرة الغضب؟

تعود شرارة الاحتجاجات الطلابية إلى 17 شتنبر الماضي، حين أقدم تلاميذ في عدد من الثانويات على إغلاق مؤسساتهم التعليمية، احتجاجا على ظروف التمدرس وما وصفوه بنقص الإمكانات الضرورية لضمان تعليم جيد.

وتركزت المطالب الأساسية حول توظيف المزيد من المدرسين، وإصلاح المباني المدرسية، وتحسين التجهيزات، والحد من الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، بما يسمح بتوفير ظروف أفضل للتعلم.

غير أن التحركات لم تبق محصورة داخل المؤسسات التعليمية، بل اتسعت تدريجيا لتشمل فئات مهنية أخرى، من بينها المزارعون ورجال الإطفاء والعاملون في قطاع الصحة والمحامون، في تطور يعكس انتقال الاحتجاج من مطالب قطاعية محددة إلى حالة أوسع من التعبير عن الاستياء الاجتماعي.

وفي هذا السياق، أكدت مريم، التي شاركت في مختلف المظاهرات منذ انطلاقها، أن دعم الشباب والتلاميذ يمثل الدافع الأساسي وراء استمرارها في الاحتجاج.

واعتبرت أن فرنسا تمر بمرحلة حاسمة، خاصة مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، داعية المواطنين إلى المشاركة في التحركات وإعلان مواقفهم من القضايا المطروحة.
تلميذة في الثالثة عشرة تواجه السياسة بالغضب.

رفض عام لسياسة ماكرون

ومن بين الوجوه التي حضرت في المظاهرة، برزت عالية، البالغة من العمر 13 عاما، التي جاءت رفقة والدتها للتعبير عن رفضها لما وصفته بسياسة ماكرون.

وعندما سئلت عن دوافع مشاركتها، اختصرت موقفها في مطلبين أساسيين: الاحتجاج على الظلم والتنديد بنقص الإمكانات داخل المدارس، وفق فرنس 24.

ويعكس حضور تلميذة في هذا العمر في مظاهرة سياسية واجتماعية اتساع دائرة الانشغال بمستقبل التعليم لدى الأجيال الصغيرة، التي تجد نفسها معنية مباشرة بالنقاش الدائر حول جودة المدرسة العمومية والموارد المتاحة لها.

وبين مطالب التلاميذ، وغضب الطلبة، ومشاركة فئات اجتماعية ومهنية مختلفة، تواجه السلطات الفرنسية اختبارا يتعلق بكيفية التعامل مع موجة احتجاجية تتجاوز أسوار المدارس.

فبينما يطالب المحتجون بتحسين الخدمات التعليمية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، تظل طريقة تدبير المظاهرات والتعامل الأمني معها عنصرا أساسيا في تحديد مسار هذه الحركة خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى