الرئسيةسياسة

مسودة أمريكية تعيد ترتيب أوراق الصحراء

دخل النزاع حول الصحراء منعطفا جديدا داخل مجلس الأمن الدولي، مع تداول مشروع قرار أمريكي يقترح إعادة صياغة المرجعية السياسية للمفاوضات، وإحداث تغييرات جوهرية في طبيعة بعثة الأمم المتحدة بالمنطقة، بالتوازي مع تشديد الضغط على الأطراف المعنية لدفعها نحو تسوية سياسية.

وفي مقابل منح مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعا مركزيا وحصريا في العملية التفاوضية، تطرح المسودة تحولا مؤسساتيا يمس مستقبل بعثة المينورسو، من خلال التخلي عن طابعها المرتبط بالاستفتاء، وتقليص مكونها العسكري، تمهيدا لتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة.

هذه التوجهات، الواردة في نسخة أولية مؤرخة في 20 أكتوبر 2026، أثارت رفضا حادا من جبهة البوليساريو، التي اعتبرت أن المشروع ينحاز إلى الموقفين المغربي والأمريكي، ولوحت بالانسحاب من مسار السلام الأممي إذا جرى اعتماد النص دون إدخال تعديلات جوهرية عليه. وبين التوجه الأمريكي نحو إعادة ترتيب أسس التسوية، واعتراض الجبهة على حصر المفاوضات في خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تتجه المشاورات داخل مجلس الأمن إلى مرحلة دقيقة، خصوصا أن الصيغة المتداولة لم تصل بعد إلى مرحلة الاعتماد النهائي.

واشنطن تدفع نحو تغيير قواعد التسوية

تقترح الوثيقة الأمريكية اعتماد الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن مرجعا وحيدا للمفاوضات، مع وصف الحكم الذاتي الفعلي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الوحيد القابل للتطبيق لإنهاء النزاع. ويمثل هذا التوجه انتقالا من دعم المقترح المغربي باعتباره أساسا للتفاوض إلى تقديمه إطارا حصريا ينبغي أن تنطلق منه العملية السياسية.

ويختلف هذا المنحى عن القرار رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في أكتوبر 2025، بعدما دعا الأطراف إلى التفاوض استنادا إلى المقترح المغربي، مع الإبقاء على إمكانية تقديم مقترحات بناءة أخرى، والتأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية تنسجم مع مبدأ تقرير المصير.

أما المسودة الجديدة، فتحتفظ بالإشارة إلى تقرير المصير ضمن المبادئ العامة المؤطرة للحل النهائي، لكنها لا توضح بصورة مباشرة الكيفية التي سيجري بها تنزيل هذا المبدأ في ظل جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الخيار الوحيد المطروح للتفاوض.

وتظل هذه الصياغة، في انتظار ما قد يطرأ عليها من تعديلات، مؤشرا على رغبة أمريكية في تضييق نطاق الخيارات السياسية المتاحة، وإعادة توجيه المفاوضات نحو تسوية محددة المعالم.

المينورسو على أعتاب تحول تاريخي

من أبرز التغييرات التي تحملها المسودة إعادة النظر في هوية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصارا بـ«المينورسو»، إذ تقترح تغيير اسمها إلى «بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية» (MINUSO)، بحذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها الرسمية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد تعديل اصطلاحي، بل بتحول يمس طبيعة المهمة التي أُنشئت البعثة من أجلها سنة 1991، في سياق خطة أممية ارتبطت بتنظيم استفتاء لتقرير المصير.

وتنص المسودة على إنهاء ولاية المينورسو بصفتها عملية لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، على أن تبدأ، ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها، مرحلة جديدة تتحول خلالها إلى بعثة سياسية خاصة، بولاية أولية تمتد إلى غاية 31 أكتوبر 2027.

كما تطلب من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إعداد تقرير مفصل قبل 15 دجنبر 2026، يحدد فيه التصور المقترح للولاية الجديدة، وطبيعة الهيكل التنظيمي والموارد البشرية والمالية، وكيفية مواكبة العملية السياسية، فضلا عن استمرار المهام المرتبطة بإزالة الألغام وإعداد التقارير وتدبير البنيات اللوجستية القائمة.

وبموازاة هذا التحول، تدعو المسودة إلى تقليص المكون النظامي للبعثة بشكل تدريجي، بهدف خفض عدد أفراده المرخص بنشرهم بنسبة لا تقل عن النصف بحلول 31 يناير 2027، مع إغلاق بعض مواقع الفرق الميدانية ودمج أخرى.

ويستند هذا التوجه إلى المراجعة الاستراتيجية التي دعا إليها القرار 2797، لكنه يذهب أبعد منها من خلال اقتراح تغيير فعلي في طبيعة الحضور الأممي بالمنطقة، بما قد يعيد تشكيل دور الأمم المتحدة في إدارة النزاع.

الحكم الذاتي أساس المفاوضات المقبلة

على المستوى السياسي، تقترح الوثيقة تعزيز دور الولايات المتحدة، إلى جانب الأمين العام ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، في تيسير المفاوضات بين الأطراف المعنية.

وتستحضر المسودة ثلاث جولات من المباحثات المباشرة التي احتضنتها واشنطن ومدريد، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، وتشيد بما تصفه بتطوير المقترح المغربي للحكم الذاتي وتحيينه، معتبرة أنه شكل محور النقاشات الموضوعية خلال تلك اللقاءات.

كما تنسب الوثيقة أهمية خاصة للجهود التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل إنهاء النزاع، وتدعو الأطراف إلى الشروع دون تأخير في مفاوضات تستند إلى المقترح المغربي.

وفي هذا السياق، لا تكتفي المسودة بتحديد المرجعية السياسية للمفاوضات، بل تسعى أيضا إلى توسيع دائرة المشاركين في المشاورات. إذ تطلب من دي ميستورا التواصل مع شرائح متنوعة من المحاورين الصحراويين الذين لا تشملهم البنية التفاوضية الحالية، سواء كانوا داخل الإقليم أو في مخيمات تندوف أو في بلدان أخرى.

ومن شأن هذا التوجه أن يفتح المجال أمام الاستماع إلى أصوات صحراوية خارج الأطراف الأربعة المشاركة في المفاوضات، على أن تُدرج نتائج هذه المشاورات ضمن التقارير الدورية المرفوعة إلى مجلس الأمن.

مخيمات تندوف تحت مجهر التسجيل الأممي

تولي المسودة اهتماما خاصا بوضع اللاجئين في مخيمات تندوف، من خلال مطالبة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستكمال عملية تسجيل السكان خلال ستة أشهر، وفقا للمعايير المعتمدة في القانون الدولي للاجئين، وبما يضمن عدم تدخل أي جهة في هذه العملية.

كما تشدد على ضرورة تمكين المفوضية من الوصول إلى المخيمات والتحرك بحرية لأغراض التسجيل وتقييم الخيارات المتاحة أمام اللاجئين في إطار الحلول الدائمة.

وتعبر ديباجة المشروع عن قلقها إزاء استمرار النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية، داعية إلى توجيه المساعدات والتمويل الدولي نحو حلول طوعية ومستدامة تراعي أوضاع الأفراد واحتياجاتهم.

وفي بعد آخر، تتضمن الوثيقة تحذيرا ضمنيا للأطراف المعنية، إذ تشير إلى إمكانية لجوء مجلس الأمن إلى تدابير إضافية إذا لم يجر الانخراط بصورة بناءة في المسار السياسي، من دون تحديد طبيعة هذه التدابير أو الجهات التي قد تشملها.

إدانة هجوم السمارة والضغط من أجل التهدئة

تتضمن ديباجة المسودة إدانة للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في 5 ماي 2026، كما تعرب عن الأسف لما تصفه بغياب الانخراط الجدي من أحد الأطراف في المفاوضات التي أعقبت اعتماد القرار 2797، في إشارة غير مباشرة إلى جبهة البوليساريو.

وتدعو الوثيقة جميع الأطراف إلى احترام وقف الأعمال العدائية وتجنب أي تحركات من شأنها تقويض المسار السياسي أو زيادة التوتر الميداني.

ويأتي هذا التشديد في ظل استمرار تداعيات التطورات التي شهدتها المنطقة منذ أحداث الكركرات في نونبر 2020، والتي أثرت على الوضع الذي ظل قائما منذ إعلان وقف إطلاق النار سنة 1991.

وتعكس هذه المقتضيات توجها نحو الجمع بين إعادة هندسة المسار السياسي وتشديد المطالبة بضبط الوضع الميداني، في محاولة لمنع تطورات جديدة من عرقلة المفاوضات.

البوليساريو ترفض المسودة وتلوح بالانسحاب

في المقابل، جاء رد جبهة البوليساريو رافضا لمضامين المشروع الأمريكي. ففي رسالة مؤرخة في 22 أكتوبر، وجهها ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، إلى رئيسة مجلس الأمن، السفيرة اليونانية أغلايا بالتا، وصفت الجبهة المسودة بأنها انحراف خطير وغير مسبوق عن المرجعيات التي استند إليها المجلس في تعامله مع قضية الصحراء، وعن الأساس القانوني الذي تعتبر بموجبه الإقليم قضية تصفية استعمار.

واعتبرت البوليساريو أن الصيغة المقترحة تعكس، بحسب موقفها، تقاربا شبه كامل مع الرؤيتين الأمريكية والمغربية، وأن جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المرجعية الوحيدة للتفاوض يتعارض مع ما تصفه بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، ومع خطة التسوية التي أُنشئت المينورسو في إطارها.

ولم تقف الجبهة عند حدود الاعتراض السياسي، بل أعلنت أنها لا ترى في المسودة بصيغتها الحالية أرضية مقبولة لمناقشة مستقبل البعثة الأممية، محذرة من أن اعتمادها دون تغييرات جوهرية وذات معنى قد يدفعها إلى الانسحاب من عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة.

ورغم هذا التصعيد، أكدت البوليساريو استمرار تمسكها، وفق تعبيرها، بالتوصل إلى سلام عادل ودائم عبر المسار الأممي. لكنها شددت على أن تحديد نتيجة المفاوضات مسبقا، من خلال حصرها في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، من شأنه أن يقوض الثقة الضرورية لاستمرار العملية السياسية.

مشاورات مفتوحة قبل التصويت النهائي

على الرغم من اتساع نطاق التغييرات الواردة في المشروع، فإن الوثيقة لا تزال مسودة أولية، بعدما عممتها الولايات المتحدة على أعضاء مجلس الأمن في 22 أكتوبر 2026. ولذلك تبقى الصياغة النهائية رهينة المشاورات التي تسبق التصويت، مع إمكانية إدخال تعديلات أو حذف بعض المقتضيات أو إضافة أخرى.

وتكتسب هذه المرحلة أهميتها من ارتباطها بقرب انتهاء الولاية الحالية للمينورسو في 31 أكتوبر 2026، ومن كون المقترحات الأمريكية لا تستهدف فقط تجديد ولاية البعثة، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف وظيفتها، وتحديد المرجعية السياسية للمفاوضات، وتوسيع دائرة المشاورات الصحراوية، وفرض التزامات إضافية بشأن تسجيل اللاجئين والتهدئة الميدانية.

وبين الرغبة الأمريكية في الدفع نحو تسوية ترتكز على الحكم الذاتي المغربي، ورفض البوليساريو التخلي عن مرجعيتها القائمة على تقرير المصير، يظل السؤال الأساسي مرتبطا بمدى قدرة مجلس الأمن على اعتماد صيغة تحظى بقبول كافٍ لاستمرار العملية السياسية، دون أن تتحول التغييرات المقترحة إلى عامل جديد يهدد مسار السلام الذي ترعاه الأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى