الرئسيةصحةمجتمع

مستشفى ابن رشد.. 3 متهمين وأسئلة أكبر

أحكام ثقيلة.. والقضية أبعد من ثلاثة متهمين؟

تحريرك جيهان مشكور

تضع الأحكام الصادرة في ملف المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء سؤالا حارقا أمام الرأي العام: ماذا يحدث حين يجد مهنيون أنفسهم في مواجهة عقوبات حبسية ثقيلة، بينما تظل شكاوى سابقة بشأن تدبير المستشفى في حاجة إلى أجوبة واضحة؟

فالقضية لا تقف عند حدود ثلاثة متهمين، بل تمتد إلى ضمانات الدفاع، وحرية العمل النقابي، وحق الأطر الصحية في التبليغ عن الاختلالات المحتملة داخل مرفق يمس حياة المواطنين وكرامتهم.

أحكام ثقيلة.. ومليون درهم تعويضات

قضت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بسنتين حبسا نافذا وغرامة قدرها خمسة آلاف درهم في حق المتهم الأول (ع.ص)، وبسنة حبسا نافذا وغرامة مماثلة في حق الطبيب رشيد شرقاب، وستة أشهر حبسا نافذا وغرامة ألفي درهم في حق المتهم الثالث (م.أ).

وفي الشق المدني، ألزمت المحكمة المتهمين بأداء مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية الدار البيضاء–سطات، و200 ألف درهم لكل من مطالبين اثنين بالحق المدني، و50 ألف درهم لفائدة مطالب ثالث، مع تحميلهم الصائر ورفض باقي الطلبات.

لكن ثقل الأحكام لا يلغي ضرورة مساءلة جميع جوانب القضية.. فقد عبّر مصطفى الكيحل، الأمين العام للاتحاد الديمقراطي للشغل، عن استغرابه من العقوبات، وقال إن دفاع المتهمين لم يتمكن، بحسب روايته، من الاطلاع على ملف المتابعة، معتبرا ذلك مساسا بضمانات المحاكمة العادلة، وهي نقطة تستدعي التوضيح، بالنظر إلى أن حق الدفاع والاطلاع على الملف من ركائز المحاكمة المنصفة.

تدخل طبي.. أين تنتهي المساطر ويبدأ الاستعجال؟

في أكثر جوانب الملف إثارة للأسئلة، أوضح الكيحل إن متابعة الطبيب رشيد شرقاب ارتبطت بتدخله الطبي لإنقاذ مواطن من بتر رجله، دون استشارة رئيسه المباشر، وإذا كانت هذه هي خلفية الواقعة كما يعرضها الطرف النقابي، فإنها تطرح إشكالا مهنيا يستحق التوضيح: كيف تُقيّم التدخلات الطبية الاستعجالية حين تتعارض سرعة إنقاذ المريض مع بعض المساطر الإدارية؟

لا يمكن حسم هذه المسألة من دون الاطلاع على تفاصيل الملف والخبرة الطبية اللازمة، لكن حماية المريض تقتضي التمييز بين المسؤولية المهنية المثبتة والتدخل الذي تفرضه ضرورة طبية عاجلة، فالمرفق الصحي لا يُقاس فقط بمدى احترام إجراءاته، بل أيضا بقدرته على حماية حياة المرضى وضمان شروط العلاج الآمن.

ابن رشد.. شكاوى تتجاوز حدود المحاكمة

لم يبدأ الجدل حول المستشفى مع هذه القضية. فقد أثار النائب البرلماني عبد الصمد حيكر، عبر سؤال كتابي موجه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، في يناير 2026 شكاوى تتعلق باستقبال المرضى، والخصاص في الموارد البشرية، وتدهور بعض البنيات التحتية، وضعف التجهيزات والحكامة، فضلا عن ادعاءات بشأن توجيه مرضى إلى محلات لاقتناء مستلزمات طبية، كما أُثيرت، عبر شكاوى مدنية، شبهات بشأن اختلالات محتملة في التدبير تستوجب التحقق.

هذه الادعاءات لا تعادل إثباتا قضائيا، لكنها لا تسقط بالتقادم الإعلامي ولا ينبغي أن تختفي خلف الجدل حول المتابعين.. أين وصلت الشكاوى؟ وهل فُتحت بشأنها تحقيقات، وما نتائجها إن وُجدت؟ وأي إجراءات اتُّخذت لمعالجة أوجه القصور التي تمس المرضى والمهنيين؟

من يحمي حق التبليغ؟

حين يشعر العاملون داخل المستشفيات بأن إثارة الاختلالات قد تضعهم تحت ضغط المتابعات والعقوبات، فإن الخطر يتجاوز الأفراد إلى مناخ العمل نفسه، وقد يصبح الصمت، بالنسبة إلى بعضهم، أقل كلفة من التبليغ، بينما يبقى المريض الحلقة الأضعف في منظومة تحتاج إلى الشفافية والمحاسبة.

ولا تعني الصفة المهنية أو النقابية حصانة من القانون، كما لا يجوز اعتبار كل ادعاء بكشف الاختلالات حقيقة ثابتة، لكن المطلوب هو أن تخضع الشكاوى للتحقيق الجدي، وأن تُحترم حقوق الدفاع، وأن تُحاسب المسؤوليات حيثما تثبت المخالفات، أيا كان موقع أصحابها.

“إن أخطر ما في ملف ابن رشد أن ينتهي النقاش عند مصير المتهمين، قبل أن يحصل الرأي العام على أجوبة بشأن الاختلالات التي فجّرت الجدل.” فالقضاء يحسم في حدود الملفات المعروضة عليه، والإدارة مطالبة بتوضيح ما يدخل ضمن مسؤوليتها، والجهات الرقابية مطالبة بالتحقق من الشكاوى، أما المرضى، فلا ينتظرون سجالا جديدا، بل مستشفى يحفظ كرامتهم ويضمن حقهم في العلاج،

الصمت أقل مخاطرة من قول الحقيقة

حين يصبح التبليغ عن الاختلالات مكلفا، يصبح الصمت أقل مخاطرة من قول الحقيقة، ويظل المريض رهينة أعطاب لا تجد طريقها إلى المساءلة.. لا حصانة لأحد من القانون، لكن لا يجوز أن تتحول المتابعة إلى ثمن يخشاه كل من يرفع صوته، “فإذا كان الطبيب يُحاسَب، فمن يحاسب المسؤولين عن اختلالات المستشفى؟ ومن يحمي حق الأطر الصحية في كشفها؟”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى