الرئسيةدابا tvسياسة

مالية 2027 تحت مجهر المعارضة اليسارية

وضعت المجموعة النيابية لتحالف اليسار البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أمام حزمة من الأسئلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من خلال مذكرة مفصلة تتضمن ملاحظات ومقترحات بشأن الاختيارات الحكومية، وتدعو إلى ترجمتها إلى التزامات واضحة في مشروع قانون المالية لسنة 2027.

تحرير: بثينة المكودي

وتنطلق المذكرة من موقف يعتبر أن تقييم البرنامج الحكومي لا ينبغي أن يقتصر على عرض التدابير القطاعية والأهداف العامة، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، ومدى انعكاسها على توزيع الثروة والحقوق والخدمات العمومية، مع إرساء آليات فعلية للمساءلة والرقابة البرلمانية.

وفي هذا السياق، يلتمس التحالف إحالة المذكرة إلى رئيسة الحكومة، وتقديم جواب كتابي مفصل عن المقترحات الواردة فيها، مع تمكين اللجان البرلمانية المختصة من مناقشتها، وربط الالتزامات المعلنة بآجال التنفيذ والاعتمادات المالية والجهات المسؤولة عنها.

المساءلة السياسية وإصلاح المنظومة الانتخابية

تضع المذكرة مسألة المسؤولية السياسية في صلب ملاحظاتها، مطالبة الحكومة بتوضيح مدى تطابق برنامجها مع الالتزامات الانتخابية للأحزاب المكونة لها، والكشف عن الوعود التي جرى الاحتفاظ بها أو تعديلها أو التخلي عنها، مع بيان الكلفة الاجتماعية لهذه الاختيارات.

ويقترح تحالف اليسار إعداد جدول علني يربط الالتزامات الانتخابية بالتدابير الحكومية والاعتمادات المالية والآجال المحددة للتنفيذ، بما يسمح بتقييم الأداء الحكومي على أساس مؤشرات ملموسة، بدل الاكتفاء بالتعهدات العامة.

كما تدعو المذكرة إلى إصلاح دستوري في اتجاه ملكية برلمانية تقوم على السيادة الشعبية والفصل الفعلي للسلط، وتعزيز صلاحيات البرلمان في التشريع والرقابة والتقييم، إلى جانب إصلاح انتخابي شامل وإحداث هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات، وضمان شفافية التمويل والتزكيات والحملات الانتخابية.

انفراج حقوقي ومراجعة القوانين المقيدة للحريات

وفي الشق الحقوقي، تدعو المجموعة النيابية إلى إطلاق مبادرة للإفراج عن المعتقلين بسبب آرائهم أو مشاركتهم في الاحتجاجات السلمية، مشيرة إلى معتقلي حراك الريف وحراك شباب «جيل زيد»، إضافة إلى الصحافيين والمدونين والنقابيين والحقوقيين المعنيين بهذه الملفات.

وتطالب المذكرة بمراجعة المقتضيات القانونية التي تعتبرها مقيدة للحريات، خصوصاً في التشريع الجنائي وقوانين الصحافة والنشر والاجتماعات والتنظيم، مع تعزيز حماية الصحافيين ومصادرهم وضمان الحق في الوصول إلى المعلومة.

كما تقترح فتح مسار تشريعي للعفو العام، ورد الاعتبار وجبر الضرر وإعادة الإدماج المهني والاجتماعي، مع التأكيد على ضرورة فحص الملفات وضمان المحاكمة العادلة واحترام الضمانات القانونية.

محاربة الفساد وتضارب المصالح

وتفرد المذكرة حيزاً مهماً لمحاربة الفساد، معتبرة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب معالجة العوامل المرتبطة بتداخل المصالح الاقتصادية والقرار العمومي، وضعف الرقابة وغموض المستفيدين من الصفقات والامتيازات.

وفي هذا الإطار، يقترح تحالف اليسار تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتعزيز آليات التصريح بالممتلكات والمصالح والتحقق منها، وحماية المبلغين والشهود، وتطوير آليات تتبع الأموال واستردادها، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.

كما يطالب بتوضيح موقف الحكومة من الالتزام المتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، بعدما أثارت المذكرة ملاحظة بشأن وروده في العرض الشفوي دون ظهوره بالوضوح نفسه في الصيغة المفصلة للبرنامج الحكومي.

وتشمل المقترحات أيضاً مراجعة قواعد تمويل الأحزاب والتزكيات والانتخابات، وتحسين شفافية الصفقات العمومية، والكشف عن المستفيدين الفعليين من الدعم والامتيازات وفق الضوابط القانونية، وربط تقارير الرقابة بإجراءات واضحة وإخبار الرأي العام بمآلاتها.

التشغيل والشباب والنساء في صلب البدائل الاقتصادية

على المستوى الاقتصادي، يطالب التحالف الحكومة بتحديد أهداف سنوية قابلة للقياس لخفض بطالة الشباب والنساء وحاملي الشهادات، والإعلان عن عدد مناصب الشغل الصافية المستحدثة، ونسبة العقود المستقرة والمصرح بها، وتوزيع فرص العمل حسب الجهات والقطاعات.

وتدعو المذكرة إلى توجيه الاستثمار العمومي نحو الصناعة الوطنية والتحويل المحلي والبحث والابتكار والخدمات الاجتماعية، مع دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة والتعاونيات والصناعة التقليدية.

كما تقترح ربط الدعم العمومي والصفقات العمومية باحترام حقوق الشغل والتصريح الاجتماعي والحقوق النقابية، وإطلاق برنامج تدريجي للشغل النافع اجتماعياً، بتمويل ومؤشرات معلنة، عوض الاكتفاء ببرامج مؤقتة لا تضمن الإدماج المهني المستدام.

وفي ما يتعلق بالاستثمارات المرتبطة بالتظاهرات الكبرى، ومنها كأس العالم 2030، تطالب المذكرة بتقييم كلفتها وانعكاساتها على التشغيل والإنتاج الوطني والمديونية والخدمات الأساسية، مع ضمان استفادة الاقتصاد المحلي وحماية الفئات المتأثرة بمشاريع التهيئة.

القدرة الشرائية ومواجهة غلاء المعيشة

وتحتل القدرة الشرائية موقعاً بارزاً ضمن مطالب تحالف اليسار، الذي يدعو إلى زيادة عامة ومنصفة في الأجور والمعاشات، ووضع مسار واضح لرفع الأجور الدنيا وتقليص الفوارق بين القطاعات، إلى جانب الحفاظ على الدور الحمائي لصندوق المقاصة.

كما تقترح المذكرة تسقيف أسعار المحروقات وتأطير هوامشها، وتشديد المراقبة على الممارسات الاحتكارية والمضاربة، ونشر المعطيات المرتبطة بالكلفة والأسعار.

وتعيد الوثيقة طرح ملف شركة «سامير»، داعية إلى معالجة وضعيتها ضمن حل قانوني واقتصادي يسمح باستعادة قدرات التكرير والتخزين، مع احترام المساطر القضائية وحقوق الأطراف المعنية.

أما في المجال الغذائي، فتطالب بإعادة توجيه الدعم نحو الفلاحة المعاشية والعائلية والفلاحين الصغار، وإعطاء الأولوية للمنتجات الأساسية، من الحبوب والقطاني إلى الحليب واللحوم والزيوت والسكر، بهدف تقليص التبعية الغذائية.

وتشدد المذكرة كذلك على ضرورة مراعاة الإجهاد المائي عند توجيه الزراعات، وضمان أولوية مياه الشرب والحاجات الأساسية، إلى جانب اعتماد سياسة للسكن والنقل العموميين تستهدف الحد من المضاربة العقارية وتوسيع العرض الميسر.

الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية

وفي ما يخص الحماية الاجتماعية، يرفض تحالف اليسار ربط استمرارية الحقوق الاجتماعية بتحقق معدلات نمو مفترضة، داعياً إلى اعتماد تمويل تضامني ومستدام يقوم على الضريبة التصاعدية على الثروة والمداخيل الكبرى، ومراجعة الامتيازات الجبائية غير المبررة، ومحاربة الغش والتهرب الضريبي.

وفي قطاع الصحة، تدعو المذكرة إلى تقوية المستشفيات والمراكز الصحية والموارد البشرية وتوفير الأدوية، وضمان استفادة فعلية ومستدامة من التغطية الصحية، مع ضبط العلاقة مع القطاع الخاص وحماية المرضى من الممارسات المالية التي قد تعيق حصولهم على العلاج.

أما في التعليم، فتتمسك المجموعة النيابية بمجانية التعليم في المدارس والجامعات العمومية، وتطالب برفع المنح وتوسيع الجامعات والأحياء الجامعية والمطاعم والنقل المدرسي والداخليات.

كما تقترح برمجة متعددة السنوات لرفع تمويل البحث العلمي، مع طرح هدف بلوغ 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام بنهاية الولاية للنقاش والبرمجة، وتحديد مصادر التمويل وآليات التنفيذ، دون تقديم هذا الهدف باعتباره اعتماداً مالياً قائماً.

وفي ملف التقاعد، تدعو المذكرة إلى تفاوض فعلي بشأن تمويل منصف يحمي المكتسبات ويضمن معاشات تصون كرامة المتقاعدين، مع توسيع قاعدة الشغل المصرح به وتحميل الدولة والمشغلين مسؤولياتهم.

مراجعة قانون الإضراب وإصلاح مدونة الأسرة

وفي المجال الاجتماعي والحقوقي، تطالب المذكرة بمراجعة القانون التنظيمي للإضراب عبر تفاوض جدي مع النقابات، بما يحافظ على جوهر الحق في الإضراب، إلى جانب تقوية تفتيش الشغل وحماية الممثلين النقابيين ومأسسة الحوار الاجتماعي.

كما تدعو إلى تسريع إصلاح مدونة الأسرة على أساس المساواة والكرامة والمصلحة الفضلى للطفل، وتقترح إلغاء الاستثناءات التي تجيز تزويج القاصرات، ومنع تعدد الزوجات، وإقرار الولاية المشتركة، وإنصاف مساهمة النساء في الأموال المكتسبة أثناء الزواج، بما فيها العمل المنزلي والرعائي.

وتشمل المطالب إصلاح نظام الإرث وإلغاء التعصيب، وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للنساء ضحايا العنف، وضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة في التعليم والصحة والشغل والتنقل والمشاركة السياسية.

العدالة المجالية ومغاربة العالم والأمازيغية

وتؤكد المذكرة أهمية العدالة المجالية، من خلال الدعوة إلى فك العزلة عن المناطق الجبلية والواحات والهضاب والمناطق الصحراوية، وتعميم الولوج إلى الماء والتطهير السائل والطرق والخدمات الأساسية.

كما تطالب بتوسيع صلاحيات الجهات في اتخاذ القرار والتنفيذ، ونقل الموارد والاختصاصات مع إرساء آليات للمحاسبة، ومراجعة حدود الوصاية الإدارية في إطار إصلاح قانوني ودستوري واضح.

وبخصوص مغاربة العالم، تدعو الوثيقة إلى ضمان مشاركة انتخابية مباشرة وميسرة وتمثيلية فعلية، وتطوير الخدمات القنصلية وإشراك الجالية في إعداد السياسات العمومية وتقييمها. كما تطالب الحكومة بتقديم بيان موحد يوضح الاعتمادات المخصصة لهذه الفئة في مشروع قانون المالية لسنة 2027.

وفي الشأن اللغوي، تشدد المذكرة على تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في التعليم والإدارة والعدالة والخدمات العمومية، مع توضيح مدة الالتزام المالي المعلن، الذي تشير إليه الوثيقة بملياري درهم، وتوزيعه ومصادره ونسب تنفيذه والأثر المنتظر منه.

وعلى مستوى السياسة الخارجية، تؤكد المجموعة النيابية مركزية القضية الفلسطينية في موقفها، وتطالب بوقف التطبيع وإلغاء الاتفاقيات المرتبطة به وتجريمه تشريعياً، ودعم حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

مشروع قانون المالية 2027.. اختبار للالتزامات الحكومية

وفي الجانب المالي، تعرض المذكرة تصوراً لتعبئة موارد وهوامش مالية متدرجة، انطلاقاً من 36 مليار درهم سنة 2027 وصولاً إلى 162 مليار درهم سنوياً في أفق 2031، بمجموع تراكمي تقديري يبلغ 500 مليار درهم خلال خمس سنوات.

وتوضح الوثيقة أن هذه الأرقام تمثل تقديرات برنامجية مشروطة بالتشريع والتنفيذ والفرضيات المعتمدة، وليست موارد محققة أو حصيلة ضريبية قائمة. كما تشير إلى أن التصور يتضمن الجبايات التصاعدية ومراجعة النفقات الجبائية غير المبررة ومحاربة الغش وتحسين التدبير وإعادة توجيه الاعتمادات وعوائد المؤسسات العمومية، فضلاً عن هوامش مالية أخرى.

وتطالب المذكرة الحكومة بتوضيح طبيعة مبلغ 25 مليار درهم المعلن للتنمية الترابية، وما إذا كان يمثل موارد إضافية أم إعادة تجميع لاعتمادات قائمة، مع الكشف عن توزيعه ومعايير الاستفادة منه ومدى مساهمته في تقليص الفوارق المجالية.

وتقترح المجموعة النيابية أن يتضمن الجواب الحكومي عن المذكرة جدولاً يحدد لكل التزام أساسه القانوني، والجهة المسؤولة عن تنفيذه، وخط الانطلاق، والهدف السنوي، والكلفة ومصدر التمويل، إلى جانب نشر تقرير سنوي عن التنفيذ يخضع للمناقشة البرلمانية.

وتختتم المذكرة بالتأكيد على ضرورة أن يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 اختباراً عملياً للاختيارات الحكومية، من خلال ربط الاعتمادات المالية بمؤشرات النتائج، ونشر معطيات المستفيدين من الدعم والامتيازات وفق القانون، وتفسير أي تأخر أو تعديل في الالتزامات المعلنة.

وبذلك، يطرح تحالف اليسار، من موقع المعارضة البرلمانية، تصوراً يربط تقييم البرنامج الحكومي بمدى قدرته على إحداث أثر ملموس في التشغيل والأجور والخدمات العمومية والحقوق والمساواة والعدالة المجالية، مع الدعوة إلى إخضاع الالتزامات الحكومية للمساءلة والتقييم المنتظمين.

اقرأ أيضا…

نبيلة جلال تحاصر الحكومة ب5 اختبارات+فيديو المداخلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى