
كوكاس: حين يفسد حضور الجلاد أناقة المصالحة
بقلم: الإعلامي والكاتب عزيز كوكاس
ثمة أشخاص يكون أجمل ما يمكن أن يقدموه لوطنهم، في مرحلة معينة من أعمارهم، أن يتعلموا فضيلة الغياب، لأن التاريخ الذي يحملونه أثقل من أن يُعرض، مرة بعد أخرى، على أعين الذين دفعوا ثمنه من أجسادهم وأعمارهم وأحلامهم.
استدعاء غير مرغوب فيه لماضٍ حاول المغرب طيه
لماذا لا يدرك محمود عرشان هذه الحقيقة البسيطة؟ لماذا يصر الرجل، الذي اقترن اسمه في شهادات حقوقية مؤلمة بواحدة من أكثر مراحل المغرب المعاصر قتامة، على العودة المتكررة إلى المشهد العمومي، وكأن ذاكرة الذين عرفوا الاعتقال والتعذيب والإذلال مجرد سوء تفاهم يمكن تبديده بخطبة من فوق منبر البرلمان؟

كان ظهوره الأخير في مجلس المستشارين، في الحادي والعشرين من أكتوبر 2026، في وجدان كثير من الضحايا وعائلاتهم، استدعاءً غير مرغوب فيه لماضٍ حاول المغرب، بكثير من الألم والشجاعة والتردد أيضاً، أن يجد له طريقاً إلى الاعتراف والإنصاف والمصالحة.
وما جعل الظهور أكثر قسوة هو اللغة التي رافقته. لغة التحدي والتخوين والمواجهة، أي حاجة إلى استعراض القوة اللفظية أمام ذاكرة ما تزال تضم أجساداً أنهكها التعذيب، وأمهات رحلن دون معرفة مصائر أبنائهن، وعائلات لم تسترجع من سنوات الرصاص سوى شهادات الألم؟
لماذا يلح عرشان أن يضع الملح في جراح الضحايا؟
ليس السؤال هنا دعوة إلى الانتقام، ولا مطالبة بحرمان مواطن من حقوقه خارج القانون، ولا حكماً قضائياً نصدره من موقع الكتابة. فالمسؤوليات الجنائية لا تثبت إلا وفق قواعد العدالة وضماناتها، والاتهامات مهما بلغت خطورتها تستوجب التحقيق المستقل وحق الدفاع.
لكن ثمة مسؤولية أخلاقية لا يستطيع الإنسان أن يتخلص منها بمجرد غياب حكم قضائي، خصوصاً حين تتراكم حول اسمه شهادات ضحايا، وتطارده أسئلة لم تجد جواباً مؤسسياً مقنعاً.
وللضحايا، في المقابل، حق لا يقل قداسة عن حقوق الدفاع: الحق في ألا تتحول معاناتهم إلى موضوع للسخرية أو الاستعلاء أو المبارزة الإعلامية.
ما حدث لا ينبغي أن يتكرر

لقد دشّن المغرب، مع تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، واحداً من أكثر أوراشه الأخلاقية حساسية. في محاولة لإعادة بناء علاقة الدولة بذاكرتها، كانت اعترافاً بأن شيئاً خطيراً حدث، وأن ما حدث لا ينبغي أن يتكرر.
غير أن المصالحة، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تكتمل إذا ظلت الأسماء المرتبطة في شهادات الضحايا بذاكرة القمع تعود إلى الواجهة من موقع التحدي، كأن شيئاً لم يكن.
فإذا كان الضحايا قد قبلوا، بدرجات مختلفة، الدخول في مسار للإنصاف والمصالحة، فليس معنى ذلك أنهم تنازلوا عن ألمهم، أصبحوا ملزمين بالصمت كلما أراد أحد رموز الماضي أن يعيد تقديم سيرته في صورة جديدة.
إن من حق عرشان أن يدافع عن نفسه، وأن يرفض الاتهامات المنسوبة إليه، وأن يطلب تحقيقاً يحدد المسؤوليات.
لكن هذا الحق لا يحتاج إلى وصف المنتقدين بالطابور الخامس، ولا إلى تحويل ذاكرة التعذيب والاعتقال السياسي إلى تحدٍّ تلفزيوني.
فالأخطر هو الحضور المتكرر لشخصية يلاحقها هذا الجدل داخل فضاءات مؤسسات الدولة.
والمفارقة أن الذين تعرضوا لانتهاكات سنوات الرصاص لم يطالبوا جميعاً بثأر شخصي.
لقد كان مطلب كثيرين منهم أن يعرف الوطن الحقيقة، وأن يعترف بالظلم، وأن يحمي الأجيال القادمة من تكراره.
وبين هؤلاء من حمل آثار الاعتقال في صحته وأسرته ومساره المهني، ثم ظل مع ذلك مؤمناً بإمكان بناء مغرب أكثر عدلاً وإنسانية.
أليس من حق الضجايا أن يتذوقوا بعض السكينة؟
أليس من حق هؤلاء أن يتذوقوا بعض السكينة؟ أليس من حقهم أن يروا في تقدم أعمارهم ابتعاداً تدريجياً عن أشباح الماضي، لا عودة مستمرة لتلك الأشباح إلى مقاعد التمثيل والمنابر الرسمية؟ لماذا لا تمنحهم الشخصيات المثيرة لهذا الألم هدية الغياب الهادئ؟
أقصد فضيلة التراجع الطوعي عن واجهة الاستعراض، واحترام جراح الآخرين، وإدراك أن بعض الأسماء تحمل مسؤولية خاصة تجاه الذاكرة العامة.
فقد يكون الصمت، في حالات كهذه، اعترافاً بأهمية الألم حتى من جانب من ينكر مسؤوليته عنه. وقد يكون التخلي عن منطق الاستفزاز تعبيراً عن احترام الوطن.
وهناك فرق كبير بين أن يدافع الإنسان عن سمعته بالوسائل القانونية والمؤسسية، وبين أن يجعل الدفاع عنها مناسبة للطعن في الذين يطالبون بكشف الحقيقة.
لقد سبق للمغرب أن دفع ثمناً إنسانياً ومؤسساتياً باهظاً حين كانت السلطة تستطيع أن تتصرف بعيداً عن الرقابة والمساءلة.
وقد كانت إحدى فضائل الاعتراف بسنوات الرصاص أنه أعاد الاعتبار إلى مفهوم الكرامة بوصفه حداً لا يجوز للسلطة تجاوزه.
كيف نقبل اليوم أن تصبح الذاكرة التي تأسست عليها المصالحة موضوعا للتحدي
فكيف نقبل اليوم أن تصبح الذاكرة التي تأسست عليها المصالحة موضوعاً للتحدي، أو أن يجد الضحايا أنفسهم مطالبين مجدداً بإثبات أن لامهم تستحق الاحترام؟
لا يتعلق الأمر بمحمود عرشان وحده، ولا بتصفية حساب مع شخص بلغ من العمر ما بلغه.
إنه يتعلق بنوع الأخلاق السياسية التي نريد أن تسود في المغرب.
هل نريد أخلاقاً تعتقد أن الحضور في المؤسسات يمحو الأسئلة عن الماضي، وأن المنصب يمنح صاحبه قدرة على فرض روايته؟ أم نريد أخلاقاً تجعل التواضع أمام الضحية جزءاً من شرف الخدمة العامة؟
ولعل السؤال الأكثر إيلاماً هو الآتي: لماذا يستطيع بعض الذين ارتبطت أسماؤهم في الذاكرة الحقوقية بالقمع أن يعيشوا شيخوخة عمومية صاخبة، بينما لا يزال بعض ضحايا تلك المرحلة يعيشون شيخوخة مثقلة بالأوجاع وآثار الحرمان؟
اختلال رمزي يجرح معنى الإنصاف نفسه
لماذا يُطلب من الأولين أن يُسمع صوتهم في كل مناسبة، ومن الآخرين أن يكتفوا بما منحته لهم المصالحة من اعتراف وتعويض؟ إن هذا الاختلال الرمزي يجرح معنى الإنصاف نفسه.
إن المصالحة التزام طويل بألا نسمح للمأساة بأن تتحول إلى موضوع للإنكار أو التباهي أو الاستفزاز.
وأجمل ما في المصالحة أن يتذكر الجميع دون رغبة في الانتقام، وأن يعترفوا دون خوف، وأن يصونوا الألم دون أن يحولوه إلى أداة للخصومة الدائمة.
وهذه هي الأناقة الأخلاقية التي نحتاج إليها: أناقة الاعتراف، ووقار المسؤولية، ورحمة الامتناع عن إيذاء من تألموا بما يكفي.
لقد حاول المغرب أن يصنع من مصالحة الماضي جسراً إلى المستقبل، ولا ينبغي أن نترك الذين ارتبطت أسماؤهم بذاك الماضي، مهما كانت مواقعهم الحالية، يحولون الجسر إلى منصة لاستعراض القوة.
في الحاجة لانتصار كرامة الضحايا على منطق الإهانة
فالوطن لا يحتاج إلى أن ينتصر أحد على ضحاياه. يحتاج إلى أن تنتصر كرامة الضحايا على منطق الإهانة.
يا محمود عرشان، ليس مطلوباً منك أن تختفي من الحياة، ولا أن تتنازل عن حقك في الدفاع عن نفسك. المطلوب، في الحد الأدنى، أن تدرك أن هناك جراحاً لا يجوز تحويلها إلى مناسبة للتحدي. وإذا لم تستطع أن تقدم للضحايا حقيقة تقنعهم، أو كلمة تفتح باب السكينة، فلا تجعل حضورك سبباً لإحياء الألم مرة بعد أخرى.
دع للمصالحة شيئاً من الوقار. دع للضحايا حقهم في شيخوخة لا تطاردها ظلال الأمس.
دع للتاريخ فرصة كي يتكلم من خلال الوثائق والشهادات والعدالة.
فليس من المروءة أن ينجو الإنسان من محاسبة التاريخ، إن نجا، ثم يعود ليضع الملح على جراح الذين لم ينجوا من آثاره. وليس من الحكمة أن نظل نختبر قدرة الضحايا على الاحتمال، بعدما اختبروا من الألم ما يكفي لأعمار كثيرة.
إن المصالحة الحقيقية لا تطلب من الضحية أن يصفح قسراً، ولا تسمح لمن تحوم حوله اتهامات جسيمة بأن يحتكر رواية الماضي.
ولعل أجمل ما يمكن أن نطلبه اليوم هو اختفاء تلك الغطرسة التي تجعل جراح الضحايا قابلة للاستعمال في خطاب الجلادين. عندها فقط، يمكن للمصالحة أن تكتسب شيئاً من أناقتها.
وعندها فقط، لن يكون على الوطن أن يعيد تضميد جراحه كلما قرر أحد أشباح سنوات الرصاص أن يعود إلى المنبر.





