
تعد الحكومة بإجراءات جديدة لمحاصرة المضاربة وتقليص هوامش الوساطة وحماية القدرة الشرائية، من مراقبة الأسعار إلى إصلاح أسواق الجملة ومسالك التوزيع..
كيف يمكن تفسير استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية رغم أن الزيادة لا تنعكس بالضرورة على تكاليف الإنتاج؟ ومن يستفيد من اتساع الفجوة بين ما يتقاضاه المنتج وما يؤديه المستهلك؟ وهل تستطيع الحكومة وضع حد لتعدد الوسطاء والممارسات التجارية التي تثقل كاهل الأسر، دون المساس بالمصالح المشروعة للفلاحين والصيادين والتجار؟
ضبط الأسواق الغذائية وإعادة تنظيم قنوات التسويق
هذه الأسئلة تضعها التدابير الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 في صلب النقاش حول ضبط الأسواق الغذائية وإعادة تنظيم قنوات التسويق.
فالمشروع يتجه نحو مقاربة تجمع بين تأمين التموين، وإعادة هيكلة أسواق الجملة، ومراقبة الهوامش التجارية، وتطوير أدوات رقمية لرصد حركة الأسعار والمخزونات، في محاولة للحد من الاختلالات التي تساهم في رفع أسعار المواد الأساسية.
وتؤكد المذكرة التقديمية للمشروع أن استعادة التوازن في أسعار الغذاء لا تتحقق بإجراءات ظرفية وحدها، بل تستدعي ضبط تكاليف الإنتاج والتخزين والنقل، وربط الأرباح التجارية بالخدمات الفعلية المقدمة، مع تحقيق معادلة توازن بين حماية القدرة الشرائية للأسر وضمان مردودية منصفة للمنتجين.
من يرفع الأسعار؟ الحكومة تتجه إلى مراقبة حلقات السوق
لم يعد النقاش بشأن غلاء المواد الغذائية مقتصرا على حجم الإنتاج أو تكلفة المواد الأولية، بل امتد إلى مسالك انتقال المنتجات من الضيعات والموانئ إلى الأسواق ومحلات البيع بالتقسيط.
ومن هنا، يراهن مشروع قانون المالية على تقليص تكاليف الوساطة، وتعزيز المنافسة، والحد من الممارسات التي تؤدي إلى تضخم الأسعار دون قيمة مضافة حقيقية.
وتعتزم الحكومة، ابتداء من سنة 2027، الانتقال إلى مرحلة عملية تقوم على تطوير آليات التتبع والضبط والإنذار المبكر، بما يسمح برصد التقلبات قبل تحولها إلى أزمات تموينية أو موجات جديدة من الغلاء.
غير أن فعالية هذه التوجهات ستظل مرتبطة بمدى القدرة على تحديد المسؤوليات داخل سلاسل التسويق، وتوفير معطيات دقيقة حول الأسعار في مختلف مراحل تداول المنتجات، وضمان تطبيق القواعد على جميع المتدخلين دون استثناء.
هل تستطيع المخططات الموسمية منع الخصاص واحتواء الغلاء؟
في محور تأمين التموين وضبط الأسواق، يتجه المشروع إلى إعداد مخططات موسمية للمنتجات الاستراتيجية، تشمل الحبوب والبطاطس والبصل والطماطم واللحوم الحمراء والسردين وزيت الزيتون.
وتهدف هذه المخططات إلى تحقيق توافق أفضل بين حاجيات السوق الوطنية والإنتاج المرتقب والمخزونات المتاحة والصادرات المرتبطة بعقود مسبقة. كما ستتيح رصد النقص المحتمل في العرض قبل تفاقمه، بما يسمح بتعبئة المخزونات أو دعم الإنتاج أو اللجوء إلى الاستيراد المؤقت عند الضرورة.
وفي السياق ذاته، تعتزم الحكومة إعادة توجيه الدعم الفلاحي نحو تحسين الإنتاجية، وترشيد استخدام الموارد المائية، وتعزيز قدرة السوق الوطنية على تلبية حاجياتها. وسيتم ذلك من خلال عقود تحدد أهداف الدعم والتزامات المستفيدين، مع إعطاء أهمية خاصة للاستغلاليات العائلية والمتوسطة وتنظيمات المنتجين.
أما الصادرات، فينص التوجه المعلن على إمكانية تقييدها مؤقتا عندما تواجه السوق الداخلية خصاصا استثنائيا أو اضطرابات في التموين. وستستند هذه التدابير إلى مؤشرات مرتبطة بالمخزونات والأسعار ومدة تغطية الحاجيات، مع مراعاة الالتزامات التجارية والعقود القائمة.
وفي حال توقع عجز في العرض، ستعمل الحكومة أيضا على تحديد جدول زمني للواردات، مع إمكانية تخفيض الرسوم الجمركية لتسهيل دخول المنتجات الضرورية.
أسواق الجملة تحت المجهر.. هل تنتهي هيمنة الوسطاء؟
يمثل إصلاح أسواق الجملة أحد أبرز محاور التدخل المقترحة، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه هذه الأسواق في تحديد مسار المنتجات الزراعية وتكاليف وصولها إلى المستهلك النهائي.
وفي هذا الإطار، يرتقب إعداد تشريع جديد ينظم إحداث أسواق الجملة وتدبيرها، سواء من طرف القطاع العام أو القطاع الخاص، ويوضح اختصاصات الدولة والجماعات الترابية، فضلا عن حقوق والتزامات تجار الجملة والوسطاء.
كما يتضمن الإصلاح مراجعة نظام الوكلاء، وفصل استخلاص الجبايات المحلية عن إلزامية المرور الفعلي عبر أسواق الجملة، بما يفتح المجال أمام تنويع قنوات التسويق وتقليص الأعباء المرتبطة بتعدد حلقات الوساطة.
وتخطط الحكومة، في السياق نفسه، لإطلاق ست شركات جهوية للتوزيع داخل الأحواض الفلاحية الكبرى بسوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة عبدة والشرق. وستشتغل هذه الشركات وفق دفتر تحملات موحد، مع إخضاعها لافتحاص سنوي وضمان شفافية الأسعار والرسوم.
ولا يقوم التصور المعلن على إنشاء وسيط عمومي يحتكر شراء المنتجات وإعادة بيعها، وإنما على توفير خدمات التجميع والفرز والتلفيف والتبريد والنقل للفلاحين والتعاونيات، مع تمكينهم من تسويق منتجاتهم بالمزاد أو عبر عقود مع مختلف المشترين.
ويستهدف هذا النموذج إتاحة فرص متكافئة أمام المتدخلين، وتطوير مسارات بديلة للبيع المباشر والتسويق القصير، إلى جانب سوق الجملة، بما يعزز المنافسة ويمنح المنتجين خيارات أوسع لتسويق محاصيلهم.
من الميناء إلى المائدة.. هل تنخفض كلفة تسويق السمك واللحوم؟
لا تقتصر التدابير المقترحة على المنتجات الفلاحية، بل تشمل أيضا تحديث مسالك تسويق الأسماك واللحوم، في محاولة لمعالجة الاختلالات المرتبطة بالتخزين والنقل والتوزيع.
ففي قطاع الصيد التقليدي، يرتقب الشروع في بناء وحدات للتخزين بالتبريد بتعريفات تحفيزية في عدد من الموانئ، من بينها العرائش والحسيمة وآسفي وطانطان والعيون والداخلة. والغاية هي تحسين شروط حفظ المنتجات السمكية، والحد من ضياعها، وتعزيز القدرة التفاوضية للصيادين.
كما يتجه المشروع إلى تطوير عقود للتموين المباشر تربط المنتجين والتعاونيات بتجار التقسيط والأسواق التجارية الكبرى ومؤسسات الإطعام الجماعي، بما يتيح تقليص بعض حلقات الوساطة.
وبالنسبة للحوم الحمراء، تشمل الإجراءات المرتقبة التعريف الرقمي للقطيع، وتأهيل أسواق الماشية والمجازر، واعتماد الوزن والفوترة، وتحسين إمكانية تتبع الذبائح.
أما في قطاع الأسماك، فستركز التدابير على تحسين ظروف الحفظ في الموانئ ونقط التفريغ، ورقمنة عمليات البيع الأول، وتعزيز النقل المبرد نحو الأسواق الداخلية.
وتطرح هذه الإجراءات سؤالا جوهريا: إلى أي حد ستنعكس تحديثات التخزين والنقل والتسويق على السعر الذي يؤديه المستهلك، بدل أن تتحول تكلفتها إلى عبء إضافي على سلسلة التوزيع؟
هل تضع الرقمنة حدا للمضاربة والتلاعب بالأسعار؟
في مواجهة ضعف الشفافية وصعوبة تتبع مسار الأسعار، يتجه مشروع قانون المالية إلى إرساء نظام وطني للمعلومات المتعلقة بأسواق المواد الغذائية، يغطي المنتجات ذات الأولوية، من الحبوب والخضر إلى اللحوم الحمراء والسردين وزيت الزيتون.
وسيجمع هذا النظام معطيات الأسعار عند الإنتاج وعند البيع بالجملة وبالتقسيط، إلى جانب مستويات المخزون وتدفقات التموين. كما سيتضمن آليات للإنذار عند رصد ارتفاع غير اعتيادي في الهوامش التجارية أو اضطراب في توفر المنتجات.
وتعتزم الحكومة، بالتوازي مع ذلك، تعزيز المراقبة المستمرة القائمة على تقييم المخاطر، مع الإدماج التدريجي للفوترة الرقمية وتطوير آليات التتبع الصحي والجبائي.
وتستهدف هذه التدابير مكافحة تخزين المنتجات بغرض المضاربة، والممارسات المنافية للمنافسة، والتلاعب بالأوزان والجودة، عبر تحسين القدرة على تتبع المعاملات وكشف الاختلالات.
لكن نجاح هذا الورش لن يقاس بمجرد إنشاء قواعد بيانات أو اعتماد أدوات رقمية جديدة، بل بمدى تحويل المعلومات التي ستوفرها إلى قرارات رقابية ملموسة، ومحاسبة المخالفين، وضمان شفافية المعاملات في مختلف مستويات السوق.
بين وعود ضبط السوق واختبار القدرة الشرائية
يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 إصلاح منظومة تسويق المواد الغذائية ضمن رهانات ضبط الأسعار وحماية المستهلك، من خلال الجمع بين تأمين التموين، وتحديث أسواق الجملة، وتقوية المنافسة، ومراقبة الممارسات التجارية.
غير أن الرهان الأكبر يظل في الانتقال من إعلان التدابير إلى قياس أثرها الفعلي على الأسعار، ومدى استفادة الفلاحين والصيادين من عائدات منتجاتهم، وقدرة الأسر على اقتناء المواد الأساسية بأسعار معقولة.
فمحاصرة المضاربة لا تتحقق بالنصوص وحدها، وإنما تحتاج إلى رقابة فعالة، ومعطيات منشورة وشفافة، ومساءلة واضحة للمتدخلين، وتقييم دوري للفارق بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي.
والسؤال الذي سيحكم على هذه الإجراءات في نهاية المطاف هو: هل تنجح الحكومة في إعادة التوازن إلى السوق الغذائية، أم تظل الوعود بمحاربة المضاربة عاجزة عن تغيير واقع الغلاء الذي تتحمله الأسر المغربية؟





