
حين ينتهي التبليغ عن اختلالات محتملة داخل مرفق صحي عمومي إلى أحكام بالحبس النافذ وتعويضات مالية ثقيلة، يصبح السؤال أكبر من مصير المتابعين قضائيا: كيف نحمي الحق في النقد المهني، ونضمن في الوقت نفسه حقوق الأشخاص واستقلال القضاء؟
في قضية البروفيسور رشيد شرقاب، الطبيب المتخصص في التخدير والإنعاش والأستاذ الجامعي، إلى جانب المسؤول النقابي عبد اللطيف صدار والتقني محمد آيت الطالب، تعيد المنظمة المغربية للحقوق والحريات طرح هذا السؤال، مطالبة بالإفراج عن شرقاب وإعادة النظر في التدبير السالب لحريته، بالتوازي مع فتح تحقيق إداري ورقابي مستقل في الاختلالات المحتملة التي سبق أن أثيرت داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء.
وفي بيان تضامني صادر عن مكتبها التنفيذي، اعتبرت المنظمة أن الأحكام الصادرة في هذا الملف تستدعي نقاشا حقوقيا بشأن تناسب العقوبات مع الأفعال موضوع المتابعة، والضمانات القانونية المرتبطة بالحرمان من الحرية، فضلا عن الآثار التي قد تترتب على مثل هذه القضايا في مناخ التبليغ عن الاختلالات داخل المؤسسات العمومية.
الحبس النافذ والتعويضات الثقيلة.. أسئلة حول التناسب
أعادت الأحكام الابتدائية الصادرة عن المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، يوم 21 أكتوبر 2026، القضية إلى واجهة النقاش الحقوقي، بعدما قضت بسنتين حبسا نافذا وغرامة قدرها خمسة آلاف درهم في حق عبد اللطيف صدار، وسنة حبسا نافذا وغرامة مماثلة في حق البروفيسور رشيد شرقاب، وستة أشهر حبسا نافذا وغرامة قدرها ألفا درهم في حق محمد آيت الطالب.
وتتعلق القضية بمتابعات قضائية ارتبطت بتصريحات وانتقادات تناولت تدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، فيما حددت المحكمة التعويضات المدنية التضامنية في مليون و450 ألف درهم، منها مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية الدار البيضاء-سطات، و450 ألف درهم لفائدة عدد من المطالبين بالحق المدني.
وترى المنظمة أن الجمع بين العقوبات الحبسية والتعويضات المالية بهذا الحجم يطرح تساؤلات بشأن مبدأ التناسب، وما إذا كانت التدابير المتخذة تتيح التوازن الضروري بين حماية الحقوق الفردية وضمان حرية التعبير والنقد المهني المسؤول.
ولا يعني هذا الموقف، وفق ما شددت عليه الهيئة، إصدار حكم مسبق على القرار القضائي أو التشكيك في استقلال القضاء، خاصة أنها لم تطلع بعد على التعليل الكامل للأحكام، وإنما يتعلق الأمر بفتح نقاش حقوقي مشروع حول ضمانات المحاكمة العادلة والسبل القانونية المتاحة لمراجعة الأحكام.
من قاعة المحكمة إلى السجن.. وضعية شرقاب تثير القلق
توقفت المنظمة بشكل خاص عند إيداع البروفيسور رشيد شرقاب السجن من داخل قاعة المحكمة، رغم متابعته القضية في حالة سراح، معتبرة أن هذه الواقعة تستدعي التوقف عند الضمانات القانونية المؤطرة للتدابير السالبة للحرية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية، بحسب الهيئة، بالنظر إلى تداخل الملف مع قضايا حرية التعبير والعمل النقابي والنقد المهني داخل مؤسسة صحية عمومية.
وتؤكد المنظمة أن احترام القضاء لا يعني إغلاق باب النقاش حول الأحكام الصادرة عنه، كما أن انتقاد القرارات القضائية لا ينبغي أن يتحول إلى مساس باستقلال السلطة القضائية أو انتهاك لحقوق أطراف الدعوى.
وبين هذين الاعتبارين، تدعو إلى التمسك بقرينة البراءة وحقوق الدفاع، واحترام المساطر القانونية، وضمان حق المعنيين في سلوك طرق الطعن المتاحة.
هل يتحول النقد المهني إلى مخاطرة؟
في خلفية هذه القضية، تضع المنظمة إشكالية أوسع تتعلق بمصير التبليغ عن الاختلالات داخل المرافق العمومية، ومدى قدرة العاملين فيها على التعبير عن ملاحظاتهم وانتقاداتهم دون خشية من تداعيات قد تمس حريتهم أو وضعهم المهني.
وتحذر الهيئة من أن تؤدي المتابعات المرتبطة بالنقد المهني إلى إضعاف ثقافة التبليغ والرقابة، أو إلى خلق مناخ يتردد فيه العاملون في الكشف عن ممارسات يعتقدون أنها تضر بالمصلحة العامة.
لكنها تؤكد، في المقابل، أن حرية التعبير لا تعفي أصحابها من احترام حقوق الغير وكرامتهم وحياتهم الخاصة، وأن حماية السمعة الشخصية لا تتعارض مع ضرورة كشف الاختلالات المحتملة.
ومن هذا المنطلق، تعتبر أن المطلوب هو التمييز القانوني الدقيق بين النقد المشروع والتبليغ المسؤول من جهة، والأفعال التي يمكن أن يثبت القضاء أنها تشكل تشهيرا أو اعتداء على حقوق الآخرين من جهة أخرى.
تحقيق مستقل في ابن رشد.. لا يكفي النظر إلى الأحكام وحدها
في قلب موقفها، تضع المنظمة مطلبا يتجاوز التضامن مع المحكوم عليهم، ويتمثل في فتح بحث إداري ورقابي مستقل بشأن الاختلالات التي سبق أن أثيرت داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.
وتدعو إلى التحقق من مضمون الشكايات والتبليغات التي سبق تقديمها إلى الجهات المختصة، والكشف عن مآلها، وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب ترتيب المسؤوليات القانونية.
وتشدد الهيئة على أن معالجة الجانب القضائي من القضية لا ينبغي أن تحجب ضرورة فحص الادعاءات المرتبطة بتدبير المؤسسة الصحية، لأن المساءلة، في نظرها، ينبغي أن تشمل كل الوقائع التي تتوافر بشأنها معطيات تستوجب التحقيق، دون استباق النتائج أو توجيه اتهامات غير مثبتة.
كما تطالب بإرساء آليات مستقلة وفعالة لتلقي التبليغات المرتبطة بتدبير المؤسسات الصحية العمومية، والتحقيق فيها، وضمان الحماية القانونية للمبلغين، بما يعزز الشفافية ويمنع تحويل الخلافات المهنية إلى عائق أمام كشف الاختلالات المحتملة.
سلامة المرضى واستقلال القرار الطبي
واستحضرت المنظمة، في بيانها، تصريحات نقابية تحدثت عن تدخل طبي منسوب إلى البروفيسور رشيد شرقاب، قيل إنه ساهم في إنقاذ مريض من احتمال بتر أحد أطرافه.
واعتبرت أن هذه الواقعة تستحق التحقق من ملابساتها وأبعادها المهنية والإنسانية، مع التشديد على ضرورة احترام استقلال القرار الطبي وجعل سلامة المرضى أولوية، خصوصا في الحالات الاستعجالية.
وفي هذا السياق، يبرز البعد المهني والإنساني للقضية، بما يستدعي عدم اختزالها في العقوبات الصادرة، بل النظر أيضا في طبيعة البيئة المهنية التي نشأت فيها الخلافات، وفي مدى توفر شروط الحوار والتبليغ والمساءلة داخل المرفق الصحي.
الدستور والحقوق.. مرجعية للمساءلة وحماية الحريات
استندت المنظمة في موقفها إلى مقتضيات دستورية، من بينها الفصول 6 و12 و23 و25 و29 و31 و36 و120، المرتبطة، ضمن مجالاتها المختلفة، بسيادة القانون والحريات والحقوق والعدالة، إلى جانب الضمانات التي ينص عليها قانون المسطرة الجنائية والمقتضيات المتعلقة بحماية المبلغين عن الجرائم، فضلا عن الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان ومكافحة الفساد.
ودعت الهيئات الحقوقية والنقابية والطبية والمهنية إلى مواكبة تطورات القضية والتضامن المسؤول مع المعنيين بالأحكام، دفاعا عن ضمانات المحاكمة العادلة وحرية التعبير وحقوق المبلغين، مع احترام استقلال القضاء وحقوق جميع الأطراف.
وأكدت أن مساندتها لرشيد شرقاب وعبد اللطيف صدار ومحمد آيت الطالب لا تستهدف المؤسسة القضائية ولا ترمي إلى التدخل في اختصاصاتها، وإنما تنطلق من الدفاع عن الحريات الأساسية وضمانات العدالة، والمطالبة بفحص مستقل لكل ما أثير من اختلالات محتملة داخل المؤسسة الصحية.
وتختم المنظمة موقفها بالتشديد على مواصلة متابعة الملف، معتبرة أن مكافحة الفساد لا تستقيم دون حماية قانونية للمبلغين عنه، وأن العدالة لا تكتمل دون ضمان حقوق الدفاع، فيما تظل الثقة في المرفق العمومي رهينة الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.





