
400 مليار درهم للاستثمار، فمن يحصد الأرباح ومن يتحمل الكلفة؟
تعبّئ الحكومة 400 مليار درهم للاستثمار العمومي خلال سنة 2027، لكن ضخامة الرقم لا تكفي وحدها لإقناع المغاربة بجدوى اختياراتها المالية، فالمواطن لا يقيس نجاح الميزانية بما تعلنه من مليارات، بل بما إذا كانت ستوفر له عملاً، وتحسّن المدرسة والمستشفى، وتخفف ضغط الأسعار..
وبين تراجع بورصة الدار البيضاء بنحو 10,19% منذ بداية السنة إلى غاية 28 أكتوبر، وارتفاع عوائد سندات الخزينة، ومقترحات ضريبية جديدة على شركات المحروقات، يبرز سؤال جوهري: من سيجني ثمار هذه الميزانية، وهل ستصل مكاسبها إلى الأسر أم ستظل محصورة في أرقام الاستثمار ونتائج الشركات؟
400 مليار درهم.. استثمار لمن؟
يمكن للاستثمار العمومي أن ينعش شركات البناء والأشغال العمومية ومواد البناء، ويحرك أنشطة مرتبطة بالماء والطاقة والبنيات التحتية، غير أن إطلاق المشاريع لا يعني تلقائياً خلق وظائف مستقرة أو تحسين الأجور؛ فالأثر يتوقف على وتيرة الإنجاز، واحترام آجال الأداء، ومدى استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الصفقات.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: هل تتحول هذه الاعتمادات إلى فرص عمل ودخل أفضل وخدمات عمومية أكثر جودة، أم تظل عوائد المشاريع مركزة لدى الفاعلين الأكبر؟ فالاستثمار الذي لا يوسع دائرة المستفيدين منه قد يرفع النشاط الاقتصادي، من دون أن يبدد بالضرورة شعور الأسر بضيق المعيشة.
اقتراض بـ120 مليار درهم.. والتمويل ليس بلا كلفة
وفي السياق نفسه، يبرمج مشروع قانون المالية اقتراضات متوسطة وطويلة الأجل بقيمة 120 مليار درهم، موزعة بالتساوي بين السوقين الداخلية والخارجية، فيما ارتفع عائد سندات الخزينة في السوق المحلية لأجل عشر سنوات إلى 3,63% منتصف أكتوبر، مقابل 3,04% في نهاية 2025.
وخلال مناقصة 27 أكتوبر، قبلت الخزينة 2,5 مليار درهم من أصل نحو 5,28 مليارات درهم من العروض، وبلغ العائد المرجح لسندات السنتين 2,615%، مقابل 2,475% سابقاً، بينما لم تُقبل عروض السندات لأجل عشر سنوات.
لا تعني هذه المؤشرات وحدها أن اقتراض الدولة تسبب في تراجع البورصة أو أن قروض المقاولات سترتفع حتماً، لكنها تكشف أهمية مراقبة كلفة التمويل، فكل ارتفاع مستمر في كلفة الاقتراض يطرح سؤالاً عن كيفية تدبير الدين، والحفاظ على الاستثمار المنتج، وتفادي انتقال الضغوط المالية إلى فرص التشغيل ونشاط المقاولات.
تخفيف الضريبة على الأجراء.. وتشديدها على شركات المحروقات
وبعد الإعفاء الضريبي على الدخل الذي سيدخل حيز التنفيد يناير 2027، يقترح المشروع رفع سقف الدخل السنوي المعفى من 40 ألفاً إلى 60 ألف درهم، وهو إجراء قد يرفع الدخل المتاح لبعض الأجراء، بحسب أجورهم ووضعياتهم الضريبية، كما تبلغ الاعتمادات المعلنة للحماية الاجتماعية 45,4 مليار درهم، لكن الرهان لا يتوقف عند حجم الإنفاق، بل يمتد إلى جودة الخدمات ومدى وصولها فعلياً إلى المستفيدين.
في المقابل، يقترح المشروع رفع الضريبة على الشركات من 35% إلى 40% بالنسبة إلى مستوردي وموزعي المحروقات الذين يبلغ ربحهم الصافي الجبائي 100 مليون درهم على الأقل، فيما سجلت شركة «توتال إنرجي للتسويق المغرب» نتيجة صافية اجتماعية بلغت 803 ملايين درهم سنة 2025، غير أن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة الربح الخاضع للضريبة.. وللتوضيح، فإن زيادة المعدل بخمس نقاط مئوية على وعاء جبائي قدره 500 مليون درهم تعادل 25 مليون درهم إضافية، إذا طُبق المعدل الجديد على الوعاء كاملاً.
يبقى السؤال، إذن، هل ستنجح مالية 2027 في تحويل الإنفاق إلى تحسن ملموس في حياة المغاربة، أم ستكتفي بتضخيم الاعتمادات وتوسيع الوعود؟ فالمليارات لا تخلق العدالة الاقتصادية بمجرد رصدها، والميزانية لا تُقاس بما تنفقه الدولة وحده، بل بمن يستفيد من إنفاقها، وبما يتركه من أثر في الشغل والخدمات والقدرة الشرائية.
أما إذا ظلت الأرقام تتقدم فيما تظل انتظارات الأسر معلّقة، فستكون المشكلة أبعد من نقص الموارد: إنها مشكلة في توزيع ثمار النمو وتحويل المال العام إلى منفعة اجتماعية ملموسة.





