اعتبرت مجموعة تحالف اليسار بمجلس النواب أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يحمل مؤشرات واضحة على تحول سياسي أو اقتصادي واجتماعي حقيقي، ولا يستجيب لانتظارات المغاربة في العدالة الاجتماعية والديمقراطية وتحسين الخدمات العمومية، منتقدة استمرار الاختيارات التي ساهمت في اتساع الفوارق وتراجع الثقة في المؤسسات.
وخلال المناقشة العامة للمشروع، تساءلت المجموعة عما إذا كانت الحكومة الجديدة تحمل تصوراً مغايراً للتدبير السابق، أم أنها تواصل النهج نفسه بصيغة حكومية مختلفة، خاصة أن التوجهات المالية المعروضة سبق تقديمها في نهاية الولاية الحكومية الماضية، إلى جانب البرمجة الاستباقية للسنوات الثلاث المقبلة.
من 20 فبراير إلى جيل زد.. مطالب متجددة واستجابة غائبة
وأكدت البرلمانية نبيلة منيب أن المغرب بحاجة إلى مراجعات سياسية وحقوقية عميقة تفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية، معتبرة أن مدخلها الأساسي يتمثل في إطلاق سراح معتقلي حراك الريف واحتجاجات «جيل زد»، والصحفيين والمدونين المعتقلين، إلى جانب تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وشددت منيب على أن المطالب التي عبّرت عنها الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف وصولاً إلى «جيل زد»، لا يمكن مواجهتها بالمقاربة الأمنية، بل تستدعي إصلاحات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين، وتحمي الحقوق والحريات وتعيد الاعتبار للكرامة والعدالة.
واعتبرت أن بناء جبهة داخلية قوية يمر عبر الديمقراطية، واستقلال القضاء ونزاهته، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز دور البرلمان في الرقابة والتشريع، بدل اختزاله في مؤسسة تصادق على القرارات دون ممارسة صلاحياتها كاملة، في ظل ما وصفته بتغول الأغلبية والقيود المفروضة على تشكيل لجان تقصي الحقائق.
من محاربة الفساد إلى استرجاع سبتة ومليلية.. أسئلة السيادة والإصلاح
ودعت مجموعة تحالف اليسار إلى بلورة استراتيجية وطنية فعالة لمحاربة الفساد، مع مراجعة المقتضيات القانونية التي تحد من التبليغ عنه، وترسيخ آليات المحاسبة ووضع حد للإفلات من العقاب.
كما ربطت منيب تعزيز مناعة البلاد باستكمال الوحدة الترابية، مطالبة بإعداد تصور استراتيجي مدروس لاسترجاع سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، يقوم على التخطيط المحكم والقدرة على الدفاع عن المصالح الوطنية.
وفي الشأن المؤسساتي، انتقدت منيب توسع منطق التعيين على حساب الانتخاب، معتبرة أن ذلك يضعف المشاركة الديمقراطية ويفتح المجال أمام التحكم في القرار العمومي. وتوقفت عند التناقض بين الخطاب الرسمي الذي يعلن تعزيز الجهوية المتقدمة، وإسناد تدبير البرامج الترابية إلى وزارة الداخلية، متسائلة عن المساحة المتبقية للمنتخبين إذا كانت القرارات الأساسية تُتخذ خارج المؤسسات المنتخبة.
سناء فوزي: أرقام مالية ضخمة وأسئلة اجتماعية أكبر
من جهتها، طرحت النائبة البرلمانية عن مجموعة تحالف اليسار سناء فوزي، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، سؤالاً مركزياً يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي تراهن عليه الحكومة: هل يتعلق الأمر بميزانية تؤسس لتنمية ديمقراطية تنصف مختلف الفئات، أم باستمرار اختيارات نيوليبرالية تمنح الأولوية للتوازنات المالية والاستثمار دون ضمان توزيع عادل للثروة؟
وأوضحت فوزي، في تدوينة نشرتها على صفحتها بموقع فيسبوك، أن حجم الاعتمادات المالية المعلن عنها لا يعفي الحكومة من الإجابة عن أسئلة القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية ومدى انعكاس الإنفاق العمومي على حياة المواطنين.
وأشارت إلى أن التوقعات تتحدث عن مداخيل عادية للميزانية العامة تبلغ 482,4 مليار درهم، مقابل نفقات عادية تصل إلى 433,1 مليار درهم، واستثمار عمومي إجمالي يناهز 400 مليار درهم.
كما توقفت عند الإعفاء الضريبي المرتقب للأجور التي تقل عن 10 آلاف درهم شهرياً، بكلفة تقديرية تبلغ 5,5 مليارات درهم، متسائلة عن مصير الفئات ذات الدخل المحدود التي لا تستفيد بالضرورة من هذا الإجراء، وعن غياب زيادات حقيقية في الأجور والمعاشات تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي هذا السياق، طالبت بإصلاح ضريبي أكثر إنصافاً، يوسع مساهمة أصحاب الثروات الكبرى والأرباح الاستثنائية، ويواجه التهرب الضريبي والاحتكار والريع، بما يحمي القدرة الشرائية للأسر ويحد من التفاوتات الاجتماعية.
الصحة والتعليم.. هل تتحول الاعتمادات إلى خدمات في متناول الجميع؟
وبخصوص القطاعين الصحي والتعليمي، أبرزت فوزي أن المشروع يتضمن تخصيص 45,4 مليار درهم للصحة والحماية الاجتماعية، مقابل 42,4 مليار درهم سنة 2026، إلى جانب 121,3 مليار درهم لقطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين، بزيادة تقارب 5,3 مليارات درهم مقارنة بالسنة السابقة.
كما أشارت إلى برمجة مناصب مالية جديدة، تشمل 8 آلاف منصب في الصحة و17 ألفاً و874 منصباً في التعليم والتكوين، فضلاً عن مناصب أخرى ضمن الميزانية العامة والأكاديميات الجهوية والمجموعات الصحية الترابية.
ورغم أهمية هذه الاعتمادات، شددت النائبة البرلمانية على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن الأرقام، بل في قياس أثرها على أرض الواقع، من خلال تحسين ظروف العلاج داخل المستشفيات، والحد من الاكتظاظ والخصاص في الأطر الطبية والتمريضية والتربوية، وضمان تعليم جيد وعلاج متاح لجميع المواطنين.
ورفضت فوزي المقاربة التي تضعف المرافق العمومية وتوسع منطق تسليع الخدمات الأساسية، مؤكدة أن الصحة والتعليم حقان دستوريان لا ينبغي إخضاعهما لمنطق السوق. كما أثارت الحاجة إلى إصلاح أنظمة التقاعد بما يضمن استدامتها المالية ويحفظ كرامة المتقاعدين.
الحماية الاجتماعية.. دعم مالي لا يبدد وحده آثار الغلاء
وفي ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، توقفت فوزي عند الغلاف المالي المعلن عنه، والبالغ 44,2 مليار درهم، من بينها 32,7 مليار درهم مخصصة للمساعدات الاجتماعية المباشرة.
ويتضمن المشروع رفع الحد الأدنى لهذه المساعدات من 500 إلى 600 درهم شهرياً خلال سنة 2027، في أفق بلوغ ألف درهم مع نهاية الولاية الحكومية، فضلاً عن الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاش من 1700 إلى 3000 درهم لفائدة نحو 500 ألف متقاعد، وزيادة معاش الأرملة من 50 في المائة إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى.
غير أن هذه التدابير، بحسب فوزي، تطرح أسئلة بشأن قدرتها الفعلية على تعويض تراجع القدرة الشرائية بفعل الغلاء وارتفاع تكاليف الحياة، ومدى استجابتها لاحتياجات الفئات الأكثر هشاشة.
كما تساءلت عن التدابير الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة، وأبناء الأرامل والمطلقات، وعن الضمانات الكفيلة بتحقيق الولوج الفعلي إلى العلاج والسكن والتعليم، فضلاً عن مصير معاش الزوجة المتوفاة.
وبذلك، يضع تحالف اليسار مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار يتجاوز التوازنات المحاسباتية وحجم الاستثمارات المعلنة، ليمس جوهر الاختيارات السياسية والاجتماعية للحكومة: مدى قدرتها على تقليص الفوارق، وحماية المرفق العمومي، وتوسيع الديمقراطية، وتحويل الالتزامات المالية إلى حقوق ملموسة، في سياق تتزايد فيه مطالب الشباب والفئات المتضررة باستعادة الثقة وتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية.