الرئسيةسياسة

المجلس: يدافع عن تجربة الإنصاف ويفتح باب التقييم

عاد ملف هيئة الإنصاف والمصالحة إلى واجهة النقاش الحقوقي والسياسي بالمغرب، على خلفية الجدل الذي أثارته جلسة مجلس المستشارين المنعقدة يوم 21 أكتوبر 2026.

وفي خضم تباين المواقف بشأن حصيلة التجربة وحدودها، اختار المجلس الوطني لحقوق الإنسان التأكيد على أن استحضار الماضي ومساءلة منجزاته حق ديمقراطي لا ينبغي مصادرته، لكنه يظل مشروطا بالالتزام بالحقيقة واحترام كرامة الضحايا، بعيدا عن التوظيف أو إعادة إنتاج الأذى.

ومن خلال موقفه، لا يكتفي المجلس بالدفاع عن تجربة العدالة الانتقالية، بل يعيد طرح سؤال استمرارية ورش المصالحة، ومدى قدرة الدولة والمؤسسات على تحويل دروس الماضي إلى إصلاحات ملموسة تضمن عدم تكرار الانتهاكات.

تقييم التجربة حق.. والتشهير بمعاناة الضحايا مرفوض

أكد المجلس أن الاختلاف في تقييم تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة لا يمثل خروجا عن الإجماع الحقوقي، بل يدخل في صميم النقاش الديمقراطي، سواء تعلق الأمر بما حققته الهيئة أو بما عجزت عن استكماله. غير أن هذا النقاش، بحسب المجلس، لا يمكن أن ينفصل عن احترام الوقائع وصون كرامة الأشخاص الذين عانوا من الانتهاكات.

واعتبر أن العدالة الانتقالية لم تعد مجرد محطة عابرة في تاريخ حقوق الإنسان بالمغرب، وإنما أصبحت مرجعية مشتركة يفترض أن تنعكس على السياسات العمومية والممارسات المؤسساتية، بما يجعل حماية الحقوق والحريات ومنع تكرار الانتهاكات مسؤولية مستمرة.

وفي استحضاره للخلفيات التي أفرزت التجربة، أشار المجلس إلى أن تأسيس الهيئة في يناير 2004 جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، في مقدمتها الإرادة الملكية، ونضالات الحركة الحقوقية، ومطالب الضحايا وعائلاتهم، إلى جانب مساهمة فعاليات المجتمع المدني، ضمن مسار ارتبط باستمرارية الدولة. لكنه شدد في المقابل على أن خصوصية النموذج المغربي لا تعني إعفاءه من المعايير الكونية لحقوق الإنسان أو تحصينه ضد النقد والمراجعة.

الضحايا في قلب المصالحة.. والإنصاف لا يقبل الانتقائية

وضع المجلس مسألة الاعتراف بمعاناة الضحايا وجبر الأضرار التي لحقت بهم في صدارة تقييمه لحصيلة الهيئة، التي تناولت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999.

ولم تقتصر مقاربة الهيئة على التعويض المادي، بل شملت معالجة الأضرار الاجتماعية والإدارية والصحية والحقوقية، فضلا عن برامج جبر الضرر الجماعي لفائدة المناطق التي تحملت آثار الانتهاكات.

وفي هذا السياق، أكد المجلس أن الحق في الإنصاف لا ينبغي أن يخضع لأي تمييز على أساس الانتماء السياسي أو الفكري أو المجال الجغرافي، وهو مبدأ يشمل كذلك الملفات المرتبطة بالأقاليم الجنوبية. فكرامة الإنسان وحقه في جبر الضرر يظلان أساس المعالجة، بصرف النظر عن تعقيدات السياقات التي وقعت فيها الانتهاكات.

كما توقف عند ضرورة اعتماد مقاربة تراعي اختلاف آثار الانتهاكات على النساء والرجال، بما يضمن معالجة الأبعاد المتعددة للضرر، ويجعل المصالحة مدخلا لاستعادة الاعتبار والاندماج الاجتماعي، وليس مجرد عملية لتقديم تعويضات مالية.

الحقيقة التاريخية لا تُختزل في رواية رسمية

وفي ما يتعلق بكشف الحقيقة، أقر المجلس بأن الهيئة واجهت صعوبات مرتبطة بغياب بعض المعطيات، وتعدد الشهادات، واختلاف الروايات والتفسيرات بشأن عدد من الأحداث والمحطات التاريخية.

وأوضح أن مهمة الهيئة لم تكن صياغة تاريخ نهائي للمغرب أو فرض قراءة وحيدة للماضي، وإنما فتح المجال أمام البحث العلمي والتاريخي لمواصلة استجلاء الوقائع، وهو ما يستدعي تسهيل الوصول إلى الأرشيف، والحفاظ على الشهادات، مع ضمان حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية.

وشدد المجلس على أن تحليل الظروف السياسية والتاريخية التي أحاطت بالانتهاكات لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لها، كما لا يجوز اتخاذ تعقيد السياقات ذريعة للانتقاص من حق الضحايا في معرفة الحقيقة. وفي المقابل، فإن الطابع غير القضائي للهيئة يقتضي تقييم عملها في حدود الاختصاصات التي أُسندت إليها، دون تحميلها مسؤوليات لم تكن داخلة ضمن ولايتها.

من جبر الضرر إلى إصلاح المؤسسات.. الرهان المستمر

ويربط المجلس القيمة الحقيقية لتجربة الإنصاف والمصالحة بمدى قدرتها على إحداث تحول مؤسساتي يمنع عودة الانتهاكات، ويؤسس لممارسة حقوقية أكثر ضمانا واستدامة.

وفي هذا الإطار، استحضر التوصيات التي خلصت إليها الهيئة، والتي همت تعزيز استقلال القضاء، وتطوير حكامة الأجهزة الأمنية، وتوسيع مجال الحريات، وحماية الذاكرة الوطنية وصيانة الأرشيف، فضلا عن ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان من خلال التربية والتكوين.

كما ذكّر بأن نشر التقرير الختامي للهيئة سنة 2006، وإسناد مهمة تتبع تنفيذ توصياتها إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آنذاك، شكّلا انتقالا بالتجربة من مرحلة الاشتغال على ملفات الماضي إلى مرحلة مواصلة الإصلاح المؤسساتي. وهي مسؤولية يقول المجلس الحالي إنه ماض في تحملها، عبر رصد ما تحقق من التوصيات وتحديد الأوراش التي لا تزال تنتظر الاستكمال.

إشادة أممية بالتجربة.. دون إغلاق باب المساءلة

ولتعزيز قراءته لمسار العدالة الانتقالية بالمغرب، استند المجلس إلى ما تضمنته تقارير أممية من إشادات بالتجربة، خصوصا ما يتعلق بإعطاء الأولوية للضحايا، واعتماد التوافق الجماعي، والاستفادة من الخبرة الوطنية في معالجة إرث الانتهاكات.

وشملت هذه الإشارات تقارير للأمين العام للأمم المتحدة، وأخرى صادرة عن المقررين الخاصين، وضعت التجربة المغربية ضمن النماذج التي راكمت عناصر مميزة في مجال العدالة الانتقالية.

غير أن استحضار هذا الاعتراف الدولي لا يلغي، وفق منطق البلاغ، ضرورة مواصلة التقييم والنقد، ولا يحول التجربة إلى نموذج مكتمل لا يقبل المراجعة. فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق بمجرد استحضار ما أُنجز، وإنما بمدى القدرة على الاعتراف بما لم يتحقق، واستكمال الإصلاحات، وضمان ألا تتحول انتهاكات الماضي إلى احتمالات قائمة في الحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى