
دخلت المقاربة الأمريكية لملف الصحراء المغربية منعطفا جديدا، بعدما أعلنت واشنطن عزمها تجاوز آلية تدبير النزاع القائمة على تجديد ولاية البعثة الأممية دون تحقيق اختراق سياسي،
ويعكس هذا التوجه تحولا في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع الملف، خصوصا بعد تعثر مجلس الأمن في تمديد ولاية بعثة المينورسو، وانتهاء مهمتها في 31 أكتوبر 2026، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الغموض بشأن مستقبل الحضور الأممي وطبيعة التدخل الدولي.
وأكد ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده لم تعد ترى جدوى في مواصلة تجديد الولايات والمهام الأممية بصورة متكررة، من دون أن يواكب ذلك تقدم فعلي نحو إنهاء النزاع، مشيرا إلى أن واشنطن ستعمل على استكشاف «حلول إبداعية وبدائل أخرى» لدفع الملف إلى الأمام.
واشنطن تريد تجاوز الجمود الأممي
وأوضح والتز أن استمرار النزاع يحرم المنطقة من فرص اقتصادية وتنموية واسعة، معتبرا أن التوصل إلى تسوية سياسية من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة للازدهار، ليس فقط أمام سكان الصحراء، بل أيضا أمام مجموع دول المنطقة.
وفي هذا السياق، لفت المسؤول الأمريكي إلى ضعف المبادلات التجارية بين بلدان المنطقة، التي تصنف ضمن الأدنى عالميا، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي يبدد إمكانات اقتصادية كبيرة، ويحول دون بناء فضاء إقليمي أكثر انفتاحا وتكاملا.
ورغم انتقاده استمرار حالة الجمود، حرص والتز على التأكيد أن توجه بلاده نحو البحث عن صيغ جديدة لا يعني التخلي عن المسار الأممي، معربا عن تقديره لعمل ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ومشددا على أهمية مواصلة التنسيق معه في المرحلة المقبلة.
الفيتو الروسي يعطل المشروع الأمريكي
وتأتي هذه التصريحات امتدادا لتحرك أمريكي داخل مجلس الأمن سعى إلى إعادة تحديد طبيعة مهمة المينورسو، من خلال مشروع قرار اقترح تمديد ولايتها لسنة إضافية، مع تغيير تسميتها وحصر اختصاصاتها في مواكبة المسار السياسي، بدلا من الإبقاء على المهام المرتبطة بتنظيم استفتاء ظل متعثرا منذ إنشاء البعثة سنة 1991.
وحصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضوا في مجلس الأمن، مقابل معارضة روسيا، فيما اختارت الصين وباكستان والصومال الامتناع عن التصويت. غير أن استخدام موسكو حق النقض حال دون المصادقة عليه.
وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي المضاد، الذي دعا إلى تمديد ولاية المينورسو دون إدخال أي تعديلات على مهامها، من جمع الأصوات التسعة الضرورية لاعتماده، بعدما صوتت الولايات المتحدة ضده، ولم يحظ سوى بتأييد ثلاث دول.
وكشفت نتيجة التصويت عن تباين واضح داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل البعثة الأممية، بين توجه أمريكي يدفع نحو تغيير وظيفتها ومقاربة تدبير النزاع، وموقف روسي يتمسك باستمرار الصيغة التقليدية للمينورسو.
انسحاب منظم واستمرار الانخراط الأمريكي
وكان والتز قد أعلن، عقب جلسة التصويت، استعداد الولايات المتحدة للعمل مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أجل تدبير انسحاب أفراد المينورسو بصورة مسؤولة ومنظمة، بما يجنب المنطقة أي تداعيات محتملة قد تنتج عن انتهاء ولايتها.
ويؤشر هذا الموقف إلى أن واشنطن لا تنظر إلى انتهاء مهمة البعثة باعتباره نهاية لانخراطها في الملف، بل تسعى إلى إعادة ترتيب آليات التدخل الدولي، مع الحفاظ على دور للأمم المتحدة في مواكبة الجهود السياسية الرامية إلى تسوية النزاع.
وبين تعثر مشاريع القرارات داخل مجلس الأمن، والتوجه الأمريكي نحو استكشاف بدائل جديدة، يجد ملف الصحراء نفسه أمام مرحلة مفصلية، عنوانها إعادة التفكير في دور المينورسو وحدود فعاليتها، وطبيعة الصيغة التي يمكن أن تحل محل آلية ظلت قائمة لأكثر من ثلاثة عقود دون أن تنجح في إنهاء النزاع.




