
أثار مشهد مجموعة من السياح الإسرائيليين، المنتمين إلى التيار اليهودي الأرثوذكسي، وهم يؤدون طقوسا دينية أمام السور التاريخي لباب دكالة بمدينة مراكش في ابريل 2026 ، نقاشا حول دلالات الحضور الإسرائيلي في الفضاء العام المغربي، وخلفيات تنامي العلاقات بين المغرب وإسرائيل منذ استئنافها في إطار اتفاقيات أبراهام سنة 2020.
وفي هذا السياق، اعتبر أنيس بلافريج، في مقال بالفرنسية نشره موقع «Mondialisation.ca» بتاريخ 26 أكتوبر 2026، تحت عنوان «المغرب وإسرائيل: الشجرة التي تخفي الغابة»، أن الواقعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ممارسة دينية عابرة، مشيرا إلى أنها تحمل، بحسب قراءته، أبعادا رمزية وسياسية تستدعي التوقف عند طبيعة مسار التطبيع وتداعياته المحتملة.
باب دكالة.. دلالات تتجاوز الطقوس الدينية
وأوضح بلافريج أن ظهور السياح الإسرائيليين وهم يؤدون طقوسهم أمام سور باب دكالة شكل مشهدا غير مألوف بالنسبة إلى سكان مراكش، مضيفا أن بعض التفاعلات حاولت تقديم الواقعة باعتبارها ممارسة دينية عادية، بينما شكك آخرون في صحتها واعتقدوا أنها من إنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي.
واعتبر الكاتب أن الواقعة حقيقية، وأن دلالتها تتجاوز بعدها الديني، مستحضرا تصريحات أوريـت موشي، مستشارة رئيس الكنيست الإسرائيلي، التي قالت إن المغرب وطن الإسرائيليين وإن أجدادهم قدموا منه، إلى جانب تصريحات سابقة لإيتمار بن غفير ادعى فيها أن اليهود هم السكان الأوائل للمغرب وأن البلاد تعود إليهم.
وأضاف بلافريج أن هذه التصريحات تثير، في نظره، تساؤلات حول توظيف الروابط التاريخية والذاكرة اليهودية المغربية في سياق سياسي، معتبرا أن بعض الممارسات الرمزية تستهدف جعل الحضور الإسرائيلي أمرا مألوفا داخل المجتمع المغربي.
من الرموز إلى توسيع النفوذ
وفي السياق ذاته، استحضر الكاتب وقائع أخرى اعتبرها جزءا من هذا المسار، من بينها رفع العلم الإسرائيلي بالقرب من الحدود المغربية الجزائرية، وحادثة السائح الإسرائيلي الذي أثار جدلا بعدما حضر وقفة تضامنية مع فلسطين بمدينة مراكش.
وأوضح أن هذه الوقائع، وفق تحليله، تندرج ضمن محاولات تكريس الحضور الإسرائيلي في المشهد الاجتماعي المغربي، من خلال استدعاء مفاهيم التسامح الديني والتعايش، فضلا عن توظيف شعارات من قبيل المصالح العليا للوطن وكرم الضيافة الذي يميز المغاربة.
ولم يحصر بلافريج انتقاداته في الجانب الرمزي، بل ربطها بتوسع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، مشيرا إلى استثمارات إسرائيلية في الأراضي الفلاحية وإنتاج الأفوكادو والتمور، وإطلاق مشاريع في قطاع الصيد البحري بالمناطق الشمالية، فضلا عن افتتاح مصانع متخصصة في معدات الري والطائرات المسيرة والتجهيزات العسكرية.
كما أشار إلى منح تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز في المياه البحرية لشركات إسرائيلية، وإبرام اتفاقيات شراكة بين جامعات مغربية ونظيراتها الإسرائيلية، إلى جانب انتقال طلبة وعمال مغاربة إلى إسرائيل، واتساع حركة السياحة الإسرائيلية نحو المملكة.
وفي هذا الإطار، أثار الكاتب مسألة استقبال السياح الإسرائيليين، معتبرا أن من بينهم أشخاصا يتهمهم بارتكاب جرائم حرب خلال العدوان على غزة، وهو ما يطرح، بحسب موقفه، أسئلة حقوقية وسياسية بشأن تداعيات التطبيع.
التسامح الديني ليس مبررا للتطبيع
وشدد بلافريج على أن التسامح الديني والتعايش بين مختلف المكونات الدينية من الثوابت التاريخية للمجتمع المغربي، لكنه دعا إلى عدم الخلط بين احترام المعتقدات والحقوق الدينية للأفراد وبين توظيف هذه القيم لتبرير خيارات سياسية أو توسيع النفوذ الإسرائيلي داخل البلاد.
واعتبر أن المسؤولين المغاربة مطالبون بإعادة تقييم مسار العلاقات مع إسرائيل، وقياس انعكاساته على الأمن الوطني والسيادة واستقلالية القرار السياسي، محذرا من التقليل من المخاطر التي قد تترتب عن استمرار هذا المسار دون نقاش وطني مسؤول.
فلسطين والتحولات الدولية.. أي موقع للمغرب؟
وفي محور آخر، ربط الكاتب انتقاداته للتطبيع بالتحولات الدولية التي أعقبت الحرب على غزة، معتبرا أن القضية الفلسطينية أصبحت في قلب مواجهة عالمية بين القوى المناهضة للاستعمار والقوى الداعمة له.
كما توقف عند التحولات التي تشهدها موازين القوى الدولية، مستحضرا المواجهة الأمريكية الإيرانية، وما اعتبره تراجعا في موقع الولايات المتحدة ضمن هرم القوى العالمية، في ظل استمرار إيران في مواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية المفروضة عليها منذ عقود.
وختم بلافريج مقاله بالدعوة إلى تجاوز المقاربات الدبلوماسية السابقة، وإعادة الاعتبار للقيم السياسية التي طبعت مرحلة المغرب المستقل، وفي مقدمتها الدفاع عن السيادة الوطنية، ومساندة القضايا العادلة، والحفاظ على استقلال القرار الوطني.
وطرح في هذا السياق سؤالا حول مدى الحاجة إلى مراجعة الاختيارات الاستراتيجية للمغرب، والعودة إلى نهج عدم الانحياز، باعتباره مدخلا لحماية المصالح الوطنية وتحصين السياسة الخارجية من الارتهان للتجاذبات والمحاور الدولية.





