
من 20 فبراير إلى جيل زد: سؤال التعبير السياسي للشارع؟
بقلم: أحمد دابا
رسائل عميقة عن انسداد أفق الإصلاح الحقيقي
ي هذا السياق، لم تختفِ الاحتجاجات، بل غيّرت شكلها. فبدل المطالب السياسية العامة التي طبعت حركة 20 فبراير، برزت حراكات في جرادة والريف، إلى جانب عشرات الاحتجاجات اللاحقة، ذات مطالب اجتماعية ومجالية وفئوية.
أدّعي، في هذا التحليل البسيط، أن هذا التحول لم يكن تراجعًا، بل كان تصويبًا في المسار؛ إذ عبّر عن وعي جديد مفاده أن الاختلالات السياسية تتجلى أولًا في تفاصيل العيش اليومي، وفي العدالة المجالية، وفي الحق في حياة كريمة. أي إن الاجتماعي بات ينتفض ضد «السياسوية» التي تُفرغ السياسة من جوهرها المرتبط بالعدالة الاجتماعية.

لقد كانت هذه الحراكات، رغم طابعها المطلبي، ورغم محدودية سقف بعض مطالبها، رسائل عميقة تعبّر عن انسداد أفق الإصلاح كما صاغته الحركة الوطنية وامتداداتها الراديكالية، والتي ظلت ترى أن مدخل التغيير الجدي في المغرب يمرّ عبر إصلاحات سياسية ودستورية، دون تدقيق كافٍ في الكلفة الاجتماعية لهذه الإصلاحات، وفي الامتيازات التي راكمتها «بورجوازية الهمزة»، كما وصفها الراحل السوسيولوجي محمد كسوس.
أما احتجاجات جيل “زد” التي اندلعت مؤخرًا، فقد جاءت لتؤكد هذا المسار. فهي احتجاجات معتدلة في لغتها، سلمية في أدواتها، لكنها جذرية في مطالبها: إصلاح حقيقي دون كلفة بشرية، دون ضحايا، ودون خسائر معنوية قبل أن تكون مادية. إنها مطالب واقعية وجدية، لا تقبل التأجيل، وتتمحور حول التعليم والصحة، وتُطرح بآليات مختلفة، لكن يجمعها جوهر واحد هو الإصرار والمبدئية في الدفاع عنها، رغم طابعها الإصلاحي.
في المقابل، تبدو الحركة السياسية، بما فيها تلك التي تُقدّم نفسها بوصفها تقدمية أو يسارية، عاجزة عن مواكبة هذا التحول؛ عجزٌ عن التقاط دينامية الشارع، وعن تحويلها إلى أفق سياسي جامع، وعن بلورة عرض إصلاحي ينسجم مع عمق اللحظة.
لقد تُرك الشارع ليبتكر وحده، في حين انكفأت الأحزاب والنخب داخل حسابات ضيقة، أو تحولت إلى وسائط معطّلة لا تمثل سوى ذاتها.
وهنا يطرح السؤال السياسي الكبير، الذي لا يمكن الهروب منه: من يمثل هذا الشارع؟
شارعٌ يتغير، يبتكر، يراكم وعيًا، ويعبّر عن حاجة حقيقية إلى حركة إصلاحية سياسية شاملة، تجمع بين إصلاحية جادة قادرة على بناء أوسع تحالف مجتمعي، وبين صرامة مبدئية ترفض المساومة أو تحويل الإصلاح إلى مجرد آلية استقطاب نخبوي.
دون ذلك، سيستمر التناقض: مجتمع يتحرك إلى الأمام، وحقل سياسي يراوح مكانه، وسلطة تراهن على الخوف بدل السياسة.
في ختام هذا التحليل، يمكن في نظري التمييز بين النزعة الإصلاحية والنزعة الثورية؛ فالأولى تتسم بقربها من المجتمع، وفهمها لمزاجه الشعبي، وواقعية نظرتها إلى الحاجيات الفعلية للمواطنين، واستعدادها للدفاع عن مطالبهم بشكل مدروس. وهي ترى أن الهدف الأسمى هو فتح مسار يخفف معاناة الشعب، ولو بشكل تدريجي.
رغم التباين الجوهري بين النهجين، فإن التجربة المغربية تكشف فشل كليهما
أما المقصود بالنزعة الثورية هنا، فهي تقوم على فكرة قلب الأوضاع بشكل جذري والانتقال مباشرة إلى حلول شاملة وعميقة، مستندة إلى رؤية كلية للعدل والتحول.
ورغم التباين الواضح بين هذا النهج والنهج الإصلاحي، فإن التجربة المغربية تُظهر أن كليهما لم يحقق النتائج المنتظرة؛ إذ لم تنجح الإصلاحية العميقة في إحداث التغيير المنشود، كما لم تتمكن النزعة الثورية من فرض حلولها الجذرية. وهذا ما يترك فراغًا واضحًا في تلبية حاجات المجتمع وإيجاد مسار فعلي للتقدم.
ومن هنا يظل السؤال السياسي الأهم قائمًا: من يمثل هذا الشارع المتغير والمبتكر؟
في المحصلة، يبدو أن المغرب في حاجة إلى حركة إصلاحية متوازنة؛ معتدلة في مطالبها، صارمة في مبادئها، وواقعية في أساليب عملها وأهدافها.
حركة تنصت للمجتمع، تقرأ مزاجه العام، تفهم حاجاته الحقيقية، وتستعد للدفاع عنها بثبات ومسؤولية.
إنها حركة تؤمن بأن التغيير التدريجي الممكن، المبني على الواقعية والالتزام، قادر على فتح مسار فعلي للتقدم وإنهاء معاناة المواطنين، دون الانزلاق إلى مغامرة ثورية غير مضمونة النتائج، ودون الوقوع في إصلاحات شكلية لا تُحدث أثرًا حقيقيًا.
ويبقى السؤال الجوهري: من سيصوغ هذا المسار ويمنح الشارع صوتًا سياسيًا حقيقيًا؟






