
حين يفقد الملاذ الآمن حصانته أمام صدمة الأسواق
نحن اليوم أمام المعطى التالي: “النفط يقفز إلى 117 دولاراً بفعل مخاطر الحرب، لكن الذهب يخسر 7.23% والفضة نحو خُمس قيمتها خلال أكتوبر”
أربكت موجة الهبوط التي ضربت الذهب والفضة خلال أكتوبر القاعدة التقليدية التي تربط الأزمات الجيوسياسية بارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة، فبينما تصاعدت مخاطر الحرب واضطراب إمدادات الطاقة، اتجهت أسعار المعادن النفيسة إلى الانخفاض؛ إذ خسر الذهب 7.23% والفضة 19.17% خلال الشهر، وفق بيانات الأسعار المسجلة إلى غاية 30 أكتوبر، ولا تكمن المفارقة في تراجع الأسعار وحدها، بل في أن المستثمرين باتوا يوازنون بين الخوف من المخاطر وكلفة الاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائداً، في سوق تتزايد فيها حساسية القرارات لتحركات الدولار والفائدة.
حين تتراجع الرهانات المضاربية
من بين التفسيرات المطروحة لموجة البيع، احتمال اضطرار بعض المتعاملين إلى تسييل أصول لتغطية خسائر مراكز أخرى أو الاستجابة لنداءات الهامش، خصوصاً مع تقلب أسواق الأسهم والتكنولوجيا، لكن المعطيات لا تسمح بتحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة شاملة؛ فمجلس الذهب العالمي سجل تدفقات بقيمة 31 مليار دولار إلى صناديق الذهب المتداولة خلال الربع الثالث من 2026، وهو مستوى قياسي، في المقابل، أظهرت بيانات مراكز العقود الآجلة في كومكس تراجع صافي المراكز الشرائية بنحو 100 طن خلال الفترة التي رصدها المجلس إلى نهاية شتنبر، وهذا يرجح انحسار بعض الرهانات المضاربية، دون أن يثبت حدوث نزوح جماعي من صناديق الذهب.
النفط المرتفع يعقّد مهمة الذهب
في الاتجاه المقابل، صعد عقد خام برنت تسليم دجنبر إلى 117.64 دولاراً للبرميل عند إغلاق 30 أكتوبر، بعدما ارتفع 13.6% خلال الشهر، بفعل مخاوف اتساع الحرب واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ويعيد هذا الصعود شبح التضخم إلى واجهة الأسواق، ويضعف رهانات خفض الفائدة، وقد أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في قراره الصادر يوم 28 أكتوبر، سعر الفائدة ضمن نطاق 3.75 إلى 4%، ومع بقاء العوائد مرتفعة، ترتفع كلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يوفر عائداً دورياً، بينما يكتسب الدولار والسندات جاذبية نسبية أكبر.
الفضة تدفع ثمن ازدواجية الطلب
أما خسارة الفضة الأكبر فلا تفسرها حركة الذهب وحدها؛ فالمعدن يجمع بين وظيفة التحوط ودور المادة الصناعية، ويكشف تقرير معهد الفضة لعام 2026 أن الطلب الصناعي تراجع بنسبة 3% في 2025 إلى 657.4 مليون أونصة، مسجلاً أول انخفاض بعد أربع سنوات من النمو، وكان تباطؤ الطلب المرتبط بالخلايا الشمسية، بفعل تقليص كمية الفضة المستخدمة في تصنيعها واللجوء إلى بدائل وتقنيات أقل استهلاكاً، من أبرز أسباب هذا التراجع، وهكذا تعرضت الفضة لضغط مزدوج، مصدره فتور بعض الاستخدامات الصناعية وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.
هل يتحوّل الانهيار إلى فرصة؟
لا تعني هذه المؤشرات أن الذهب فقد دوره الاستراتيجي؛ فقد تجاوز الطلب العالمي عليه، بما يشمل التعاملات خارج البورصة، 5 آلاف طن في 2025، فيما بلغت مشتريات البنوك المركزية 863 طناً، وفق مجلس الذهب العالمي، لكن هذه المشتريات، رغم أهميتها، لا تشكل ضمانة لارتداد الأسعار في الأجل القصير.
لذلك، فإن وصف الهبوط بأنه «فرصة تاريخية» يظل حكماً متسرعاً ما لم تتضح شروط انعكاس الاتجاه: تراجع العوائد والدولار، استقرار تدفقات الصناديق، وانحسار الضغوط على المراكز المضاربية، فالاختبار الحقيقي ليس ما إذا كان الذهب لا يزال ملاذاً آمناً، بل ما إذا كان المستثمرون قادرين على الاحتفاظ به عندما تصبح السيولة أغلى من التحوط، وهنا تكمن المفارقة: قد يظل الذهب مخزناً للقيمة على المدى الطويل، لكنه لا يمنح مشتريه حصانة من خسائر التوقيت.





