
الاتحاد الاشتراكي والشفافية تحت الاختبار.. حين تصبح مساءلة الترشيحات تهمة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، ترتفع أصوات الأحزاب السياسية وهي تقدم للناخبين وعودا بالإصلاح والشفافية والحكامة وتكافؤ الفرص. غير أن الخطاب الانتخابي يصطدم أحيانا بممارسات تنظيمية داخلية تفتح الباب أمام سؤال أكثر إحراجا: كيف يمكن إقناع المواطن بالشفافية في تدبير الشأن العام، إذا كانت قواعد الشفافية نفسها موضع خلاف داخل التنظيم الحزبي؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد قرار تجميد عضوية منال التقال، العضو بالمكتب السياسي، مؤقتاً إلى حين إعلان نتائج الانتخابات، على خلفية موقفها من طريقة اختيار وكيلات اللوائح الجهوية للحزب.
منال التقال: لم أهاجم المعايير.. بل سألت عن تطبيقها
التقال قالت إنها توصلت بقرار المكتب السياسي، معتبرة أن خلفيته تعود إلى رسالة وجهتها إلى الكاتب الأول للحزب، عبرت فيها عن موقفها من مسطرة انتقاء وكيلات اللوائح الجهوية.
وأكدت أنها تحترم المؤسسات الحزبية واختصاصاتها، لكنها رفضت توصيف موقفها باعتباره تشهيراً بالحزب أو مساساً بمبادئه أو تنكراً لقرارات سبق أن صادقت عليها.
وبحسب روايتها، فإن جوهر اعتراضها لا يتعلق بالمعايير الأربعة التي أعلنها الحزب لاختيار المرشحات، وإنما بمدى تطبيق تلك المعايير فعلياً وبصورة متوازنة وموضوعية.
وتقول التقال إن الفرق كبير بين أن يعلن المكتب السياسي مجموعة من المعايير، وبين أن تثبت الوثائق ومحاضر لجان البت أن هذه المعايير كانت بالفعل أساساً لاتخاذ القرار النهائي.
المال في قلب العاصفة
أكثر ما يثير الجدل في رواية التقال هو حديثها عن الدور الذي لعبته، بحسب ما عاينته، “المساهمة المادية” في عملية الانتقاء.
فالعضو بالمكتب السياسي تقول إن ما وقفت عليه، إلى جانب تصريحات مرشحات في جهات مختلفة وشهادات بعض أعضاء لجان البت، جعلها تعتبر أن المساهمة المادية لم تكن مجرد عنصر من بين أربعة عناصر متكافئة، وإنما تحولت عملياً إلى معيار حاسم في المفاضلة.
وهو ادعاء سياسي وتنظيمي بالغ الحساسية، لأنه إذا ثبتت صحته، فإنه لا يتعلق فقط بخلاف حول أسماء المرشحات، وإنما يمس بصورة مباشرة مبدأ تكافؤ الفرص داخل حزب سياسي يستعد لطلب أصوات المواطنين.
لكن في المقابل، تظل هذه المعطيات، في حدود ما أعلنته التقال، مواقف وادعاءات صادرة عنها وتحتاج إلى وثائق ومحاضر ومعطيات قابلة للتحقق حتى تتحول إلى وقائع ثابتة.
أين توجد القواعد؟
ولم تتوقف التقال عند طريقة اختيار المرشحات، بل نقلت المواجهة إلى مستوى تنظيمي أعمق، عندما تحدت أعضاء المكتب السياسي بأن يثبتوا أن المقرر التنظيمي والقانون الداخلي للحزب وُضعا رهن إشارة المناضلات والمناضلين منذ انعقاد المؤتمر الأخير.
وتعتبر أن غياب هذه الوثائق، إن صح، يطرح إشكالاً جوهرياً يتعلق بالحكامة الداخلية، لأن المناضل لا يمكن أن يكون مطالباً باحترام قواعد لم تتح له إمكانية الاطلاع عليها بشكل واضح.
وهنا تبرز مفارقة أخرى: كيف يمكن الحديث عن احترام المؤسسات والانضباط التنظيمي إذا كانت القواعد التي يفترض أن تضبط هذا الانضباط غير متاحة بصورة واضحة لجميع أعضاء الحزب؟
“أروني محاضر لجان البت”
التحدي الأكثر وضوحاً في موقف التقال جاء عندما طالبت أعضاء المكتب السياسي بالاطلاع على محاضر لجان البت، وشبكات التنقيط والتقييم، إن كانت موجودة، والوثائق التي تفسر كيف تم ترتيب المرشحات.
فالسؤال الذي تطرحه بسيط في ظاهره، لكنه ثقيل سياسياً:
هل تم تطبيق المعايير المعلنة فعلاً، أم أن بعضها كان أكثر وزناً من البعض الآخر؟
وإذا كان الحزب واثقاً من سلامة المسطرة، فإن نشر أو إتاحة الوثائق المنظمة للعملية من شأنه أن يحسم جانباً كبيراً من الجدل، ويمنع تحويل الخلاف التنظيمي إلى معركة روايات متناقضة.
الشفافية لا تبدأ من صناديق الاقتراع
القضية في جوهرها تتجاوز منال التقال والاتحاد الاشتراكي، لتطرح سؤالاً على الحياة الحزبية المغربية برمتها.
فالأحزاب تطلب من المواطن أن يثق بها عندما تعده بمحاربة الفساد، وتعزيز الحكامة، وإقرار تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة.
لكن المواطن يستطيع، وببساطة، أن يسأل: هل تبدأ هذه المبادئ بعد الفوز في الانتخابات، أم يجب أن تبدأ قبل ذلك، داخل الحزب نفسه؟
فالشفافية ليست مجرد فقرة في برنامج انتخابي، ولا شعاراً يرفع في التجمعات الانتخابية. الشفافية ممارسة يومية تبدأ من كيفية اختيار المرشح، ومن طريقة اتخاذ القرار، ومن حق العضو في معرفة القواعد، ومن قدرة المؤسسة الحزبية على تفسير قراراتها.
والحزب الذي يطالب الدولة والمؤسسات بكشف المعايير وتبرير القرارات، سيكون مطالباً بالقدر نفسه بأن يقدم نموذجاً داخلياً مقنعاً لهذه الممارسة.
هل يتحول النقد إلى “خيانة”؟
الأخطر سياسياً في القضية هو احتمال تحول الاختلاف داخل الأحزاب إلى اختبار للولاء.
فإذا كان كل اعتراض على طريقة تنفيذ قرار مؤسساتي يمكن أن يُقرأ باعتباره إساءة للحزب أو تنكراً له، فإن ذلك يطرح سؤالاً حول المساحة المتاحة للنقد الداخلي.
وفي المقابل، فإن الانضباط الحزبي يظل مبدأً ضرورياً لاستمرار أي تنظيم سياسي، ولا يمكن أن يتحول الحزب إلى فضاء بلا قواعد أو مؤسسات.
المعادلة إذن ليست بين الانضباط والفوضى، وإنما بين انضباط تحكمه قواعد واضحة، ونقد داخلي مشروع، ومؤسسات قادرة على التفسير والتبرير والمحاسبة.
لجنة مستقلة.. الكرة في ملعب القيادة
ولرفع الالتباس، اقترحت التقال إحداث لجنة مستقلة ومحايدة تضم كفاءات من الهيئات أو المؤسسات المختصة بالحكامة والنزاهة، للاطلاع على ملفات المرشحات ومحاضر لجان البت وشبكات التقييم، والتحقق من مدى احترام المعايير المعلنة وتكافؤ الفرص.
كما أكدت أنها لا تطالب، وفق روايتها، بامتياز شخصي أو بنتيجة لفائدتها، وإنما بتطبيق القواعد نفسها على الجميع.
وإذا كانت قيادة الحزب مقتنعة تماماً بسلامة المسطرة، فإن قبول التدقيق فيها قد يكون، سياسياً، أقل كلفة من استمرار الجدل.
لأن الوثائق، في النهاية، تستطيع أن تحسم ما تعجز عنه البيانات والتدوينات والاتهامات المتبادلة.
القضاء قد يدخل على الخط
التقال أعلنت أيضاً احتفاظها بكامل حقوقها التنظيمية والقانونية، بما فيها اللجوء إلى القضاء المختص للطعن في قرار تجميد عضويتها، ومناقشة مدى مشروعيته ومدى صدوره عن الجهة المختصة، ومدى احترامه للقواعد التنظيمية وضمانات الدفاع.
وبذلك قد ينتقل الخلاف من فضاء الحزب إلى فضاء قانوني وقضائي، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية بالنسبة للأحزاب، أي قبيل الاستحقاق الانتخابي.
السؤال الذي سيلاحق الأحزاب
في نهاية المطاف، ليست المشكلة فقط في من اختيرت ومن لم تُختر، ولا في من عوقب ومن بقي داخل المؤسسات.
المشكلة الأكبر هي في مصداقية الخطاب السياسي نفسه.
فكيف سيقتنع الناخب ببرنامج انتخابي غارق في الحديث عن الشفافية والحكامة وتكافؤ الفرص، إذا كانت المؤسسة التي تقدمه عاجزة عن إقناع أعضائها بأن هذه المبادئ مطبقة داخلها؟
قد تستطيع الأحزاب صياغة أجمل البرامج، وأقوى الشعارات، وأكثر الوعود جاذبية.
لكن الناخب، في نهاية المطاف، قد يطرح سؤالاً أكثر بساطة:
إذا كانت الشفافية مبدأً لحكم البلاد.. فلماذا لا تكون أولاً قاعدة لحكم الحزب نفسه؟
وهنا تحديداً سيكون على الاتحاد الاشتراكي، كما على غيره من الأحزاب، أن يثبت أن الشفافية ليست مجرد وعد انتخابي، وإنما ممارسة تبدأ من الداخل قبل أن تصل إلى صناديق الاقتراع.





