الرئسيةسياسة

بركة الوزير يَعِد بما لم تحققه الحكومة

يعود الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، إلى واجهة الخطاب الانتخابي بوعود تتعلق بحماية القدرة الشرائية، واستعادة ثقة الشباب، وتقليص الفوارق المجالية، وبناء ما سماه «مغرب السرعة الواحدة»، في وقت يظل فيه الرجل نفسه جزءا من الحكومة الحالية، ووزيرا فيها، ومسؤولا سياسيا عن جانب من حصيلتها.

وخلال لقاء تواصلي بمدينة صفرو، هو الأول بعد تقديم حزب الاستقلال برنامجه الانتخابي، أقر بركة بأن الأحزاب والنقابات ومختلف مكونات المجتمع المدني لم تنجح في احتواء الشباب والاستجابة لتطلعاتهم، معتبرا أن موجة الهجرة الأخيرة تعكس أزمة ثقة تستوجب إعادة النظر في علاقة المؤسسات والفاعلين السياسيين بهذه الفئة.

لكن هذا التشخيص يفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحا: إذا كان الشباب فقدوا الثقة بسبب انسداد الآفاق، فمن يتحمل مسؤولية السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذه الوضعية؟

وعود جديدة.. وحصيلة لم تُجب

بركة تحدث عن ضرورة حماية القدرة الشرائية، وضبط الوسطاء وهوامش الأرباح، وإحداث مرصد لمراقبة الأسعار، والرفع من الأجور، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل استفادة.

غير أن هذه الوعود تصطدم بحقيقة أن حزب الاستقلال ليس خارج السلطة، بل يوجد في قلب الحكومة الحالية، التي يفترض أن تقدم حصيلتها للمغاربة قبل أن تقدم وعودا جديدة.

وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لوزير في حكومة أخنوش أن يقدم نفسه كصاحب حلول للمشاكل نفسها التي كان يفترض أن تسهم حكومته في حلها خلال ولايتها؟

اللحوم.. اختبار القدرة الشرائية

تبدو قضية القدرة الشرائية الأكثر إحراجا للخطاب الحكومي والانتخابي في آن واحد.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه بركة عن حماية الأسر وضبط هوامش الأرباح، وجد المواطن نفسه أمام أسعار مرتفعة لعدد من المواد الأساسية، فيما بلغ سعر اللحوم مستويات تناهز 150 إلى 160 درهما للكيلوغرام.

وإذا كان بركة يحمّل تعدد الوسطاء والجشع مسؤولية جانب من ارتفاع الأسعار، فإن السؤال السياسي لا يمكن أن يتوقف عند الوسطاء: أين كانت الحكومة وأجهزتها وآلياتها الرقابية طوال هذه الفترة؟

البطالة.. والشباب خارج الحسابات

الأمر نفسه ينطبق على ملف الشباب.

فبركة يعترف بأن الفاعلين السياسيين لم ينجحوا في استيعاب تطلعات الشباب، ويربط ذلك جزئيا بموجة الهجرة، لكنه لا يقدم في خطابه الانتخابي جوابا سياسيا واضحا عن مسؤولية الحكومة التي شارك فيها عن استمرار البطالة في مستويات قياسية.

فالشاب الذي لا يجد عملا ولا تكوينا ولا أفقا واضحا، لا يحتاج فقط إلى خطاب انتخابي جديد، بل إلى جواب عن سؤال بسيط: لماذا لم تتحول الوعود الحكومية السابقة إلى فرص حقيقية؟

«مغرب السرعة الواحدة».. وشبح مغربين

ومن بين أبرز الشعارات التي رفعها بركة الدعوة إلى بناء «مغرب السرعة الواحدة»، بما يضمن تكافؤ الفرص في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

وهي دعوة تبدو جذابة انتخابيا، لكنها تضع الحكومة نفسها أمام اختبار صعب، لأن استمرار الفوارق بين المدن والمناطق القروية، وبين الجهات المستفيدة من الاستثمار وتلك التي ظلت في الهامش، يطرح سؤالا حول مدى نجاح السياسات العمومية الحالية في تحقيق العدالة المجالية التي يتحدث عنها حزب الاستقلال.

التنمية الترابية.. من الوعود إلى الحساب

وتحدث بركة عن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وعن ضرورة توجيه الاستثمار إلى المناطق الأقل استفادة، مقترحا تحفيزات مالية تتراوح بين 10 و15 في المائة للمستثمرين الذين يختارون هذه المناطق.

كما استعرض مشاريع للطرق والبنيات التحتية، خصوصا الربط بين فاس وتاونات، وفاس وإفران، والطريق المداري لصفرو، وتعزيز الربط بمختلف المراكز الاقتصادية.

لكن المواطن، في النهاية، لا يقيس السياسات بعدد المشاريع المعلنة، بل بما يلمسه في حياته اليومية من فرص شغل، وخدمات صحية وتعليمية، وأسعار وقدرة شرائية.

الماء.. ملف الحكومة المفتوح

وفي ملف الماء، استحضر بركة الاستثمارات في السدود وتحلية مياه البحر، والأثقاب الاستكشافية ومحطات تحلية المياه الأجاجة، إلى جانب الشركات الجهوية متعددة الخدمات.

ويقدم الوزير هذه الإجراءات باعتبارها جزءا من مواجهة الإجهاد المائي، غير أن أزمة الماء نفسها تكشف حجم التحدي الذي ستواجهه الحكومة المقبلة، خصوصا مع استمرار الضغط على الموارد المائية واتساع حاجيات السكان والقطاعات الاقتصادية.

الصحراء.. وحكومة «قوية»

سياسيا، وضع بركة إنجاح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في الأقاليم الجنوبية ضمن أولويات المرحلة المقبلة، معتبرا أن طي الملف يتطلب حكومة قوية تتمتع بالمشروعية والمصداقية.

غير أن مفهوم «الحكومة القوية» لا يرتبط فقط بنتائج الانتخابات أو حجم الأغلبية البرلمانية، وإنما أيضا بقدرتها على إقناع المواطنين بأن المؤسسات تعمل لمصلحتهم، وأن المسؤولين مستعدون لتحمل مسؤولية القرارات والنتائج.

بركة.. ولقجع.. خطاب واحد؟

وهنا تبرز مفارقة أوسع تتجاوز حزب الاستقلال إلى مكونات الحكومة نفسها.

فبركة، مثل عدد من الوزراء، يقدم في الخطاب الانتخابي تشخيصا لمشكلات القدرة الشرائية والشباب والاستثمار والخدمات، ويقترح حلولا للمرحلة المقبلة، بينما يظل السؤال السياسي معلقا حول حصيلة الحكومة التي شارك فيها.

وينطبق الأمر نفسه على فوزي لقجع، الوزير المكلف بالميزانية، الذي يقدم بدوره تصورات ووعودا للمستقبل، في وقت ينتظر فيه المواطنون قبل ذلك تفسيرا لما تحقق خلال الولاية الحالية.

دستور 2011.. أين وصل التفعيل؟

ولا تقتصر الانتقادات على الاقتصاد والاجتماع.

فبعد أكثر من عقد ونصف على دستور 2011، ما تزال قوانين تنظيمية ومؤسساتية أساسية مرتبطة بتفعيله موضع نقاش وتأخر، بالتوازي مع انتقادات متزايدة بشأن وضع الحريات العامة والممارسة السياسية.

وهنا يصبح الحديث عن «مغرب جديد» بحاجة إلى ما هو أكثر من البرامج الانتخابية: مغرب يحترم قواعده الدستورية، ويضمن الحقوق والحريات، ويجعل المسؤولية السياسية مرتبطة بالحساب والمساءلة.

من حصيلة الحكومة إلى وعود الانتخابات

استحضر بركة مسار حزب الاستقلال، مشيرا إلى ارتفاع عدد مقاعده البرلمانية من 46 سنة 2016 إلى 81 سنة 2021، معتبرا ذلك دليلا على استعادة الحزب لثقة الناخبين.

واليوم يسعى الحزب إلى البناء على تلك النتائج في الانتخابات التشريعية المقبلة، التي ستسبق الانتخابات الجماعية وستحدد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة.

لكن الرهان الحقيقي لن يكون فقط على عدد المقاعد، بل على قدرة الأحزاب الحكومية على الإجابة عن سؤال الحصيلة.

فالمغاربة لا ينتخبون فقط من يعدهم بما سيفعله غدا، بل يستطيعون أيضا أن يسألوا عما فعله أمس.

الابتعاد عن تحمل المسؤولية الكاملة عن حصيلة الحكومة الحالية

نزار بركة لا يخرج، في خطابه الانتخابي، عن القاعدة التي تحكم خطاب عدد من وزراء حكومة أخنوش: تشخيص أعطاب الواقع وتقديم حلول للمستقبل، مع الابتعاد عن تحمل المسؤولية الكاملة عن حصيلة الحكومة الحالية.

لكن اللحظة الانتخابية تفرض سؤالا مختلفا: من المسؤول عن مغرب ارتفعت فيه أسعار مواد أساسية إلى مستويات قياسية، وبلغت فيه البطالة أرقاما مقلقة، وتراجعت فيه الثقة السياسية، واستمرت فيه أسئلة الحريات والتفعيل الدستوري؟

قبل أن يعد الوزراء المغاربة بمغرب الغد، ربما كان عليهم أولا أن يجيبوا المغاربة عن مغرب اليوم.

اقرأ أيضا…

بركة يهاجم حصيلة حكومة شارك في صناعتها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى