اقتصادالرئسيةحوارات

أقصبي: المغرب يراكم المشاريع ولا يرفع النمو4/1

أعد الحوار مكتوبا: جيهان مشكور

قد يكون المغرب من أكثر البلدان التي تتقن “كتابة الاستراتيجيات، وأقلها قدرة على تحويلها إلى نتائج”، فمنذ أكثر من عقدين، تتوالى التقارير والتصورات: تقرير الخمسينية، واستشراف المغرب 2030، ثم النموذج التنموي الجديد، وبينها عشرات الخطط واللجان والدراسات.. تتغير الحكومات وتتغير العناوين، لكن السؤال الأكثر إزعاجاً يبقى نفسه: “ماذا تغيّر فعلاً في بنية الاقتصاد المغربي؟”

بقلم الباحث والخبير الاقتصادي: نجيب أقصبي

اشار الاقتصادي نجيب أقصبي، في حواره مع جريدة «الشعاع الجديد»، الى ان المشكلة لم تعد في نقص التشخيص، بل في أن الاستراتيجية تحولت أحياناً إلى بديل عن الفعل.. تُكتب الوثيقة، تُعرض وتُناقش، ثم تُحفظ، قبل أن تبدأ دورة جديدة من التشخيص والوعود، بينما تستمر الاختلالات الأساسية، فتقرير الخمسينية لسنة 2005 لم يكن مجرد وثيقة أخرى، بل محطة لتشخيص اختلالات الاقتصاد واقتراح إصلاحات وسياسات أكثر نجاعة، وبعد عقدين، يصبح السؤال أكثر إحراجاً: “إذا كانت الدولة تعرف مكامن الخلل،فلماذا لا تتحول هذه المعرفة إلى تغيير؟”

حين يصبح التخطيط غاية في حد ذاته

في ذات الحوار عبر الفيديو مع “الشعاع الجديد”، الذي قامت جريدة “دابا بريس” بتفريغه ووضعه مكتوبا، حدد النموذج التنموي الجديد أفقاً يمتد إلى 2035، أي أن المغرب دخل فعلياً سنوات يفترض أن ينتقل فيها من التشخيص إلى النتائج، لكن أين يقف التقييم المرحلي؟ أين النقاش العمومي حول ما تحقق وما تعثر؟ ومن يتحمل مسؤولية الفارق بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة؟

هنا تتجاوز المسألة حكومة بعينها، فعندما تتكرر الخطط وتتكرر معها الاختلالات، يصبح الخلل أعمق من ضعف التنفيذ الإداري؛ إنه يرتبط “بأولويات الدولة الاقتصادية وبقدرتها على تحويل الاختيارات إلى تحول فعلي في بنية الاقتصاد”، فإذا كان التشخيص متوفراً منذ سنوات، فإن استمرار الاختلال لم يعد مشكلة معرفة، بل مشكلة قرار.

4.9%.. نمو جيد أم سقف منخفض؟

قد يبدو نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.9% في 2025، مقابل 4.4% في 2024، خبراً جيداً، لكن الرقم يخفي هشاشة جزء من هذا الانتعاش، فقد ساهم النشاط الفلاحي بقوة(بفضل الامطار)، إذ ارتفعت قيمته المضافة بـ8.2%، بينما لم تتجاوز الأنشطة غير الفلاحية 3.9%.

المشكلة إذن ليست أن المغرب لا ينمو، بل في نوع النمو وسرعته واستمراريته، ووفق الحسابات التي يستند إليها أقصبي، ظل متوسط النمو في حدود 2.8% خلال 2016–2025، ونحو 2.6% خلال 2010–2025، أي أن الاقتصاد قادر على تسجيل سنوات جيدة، لكنه لم ينجح بعد في جعل النمو المرتفع قاعدة مستقرة.

وهنا تصبح نسبة 4 أو 5% أقل إثارة للاحتفال مما تبدو عليه.. فإذا كان المغرب يريد، خلال 10 إلى 15 سنة، الاقتراب من اقتصادات صاعدة مثل تركيا وماليزيا وتشيلي، وفي الوقت نفسه استيعاب أفواج الشباب الداخلة إلى سوق العمل، فإنه يحتاج، وفق تقدير أقصبي، إلى نمو في حدود “7 إلى 8% سنوياً وعلى مدى طويل”.

أي أن المعركة ليست حول تحقيق سنة قوية، بل حول “رفع سقف النمو نفسه”.

فالنمو الذي لا يرفع الإنتاجية بما يكفي، ولا يخلق فرص العمل بالسرعة المطلوبة، يبقى رقماً إيجابياً في الحسابات الوطنية أكثر مما يكون تحولاً محسوساً في حياة الأسر.. والمغرب لا يواجه فقط سؤال: كم ينمو؟ بل سؤالاً أشد أهمية: “ماذا ينتج هذا النمو، ولمن تعود ثماره؟”

السؤال الذي لا تجيب عنه الخطط

حين يكون المطلوب 7 أو 8%، تصبح نسبة 4.9% نتيجة إيجابية ظرفياً، لكنها غير كافية لتغيير موقع الاقتصاد، والأسوأ أن جزءاً مهماً من النمو ما يزال شديد الحساسية للتقلبات الفلاحية والظرفية الخارجية، بما يجعل جزء من الأداء الاقتصادي رهيناً بعوامل لا يتحكم فيها الاقتصاد الوطني بالكامل.

وهنا تظهر المفارقة الأكبر: “المغرب يراكم الاستراتيجيات والاستثمارات والمشاريع الكبرى، لكنه لم ينجح بالسرعة المطلوبة في تحويل ذلك إلى نمو مرتفع ومستدام، وإنتاجية أعلى، وقيمة مضافة أكبر، وفرص شغل كافية.”

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم استثمر المغرب؟ بل: ماذا أنتج هذا الاستثمار؟ ومن يملك مفاتيح تحويل الإنفاق إلى صناعة وقيمة مضافة وابتكار وشغل؟

فالمغرب قد يكون نجح في جذب مصانع ومشاريع كبرى، لكن السؤال الأصعب ينتظرنا في الحلقة المقبلة: هل نجح فعلاً في بناء قاعدة صناعية وطنية تملك القيمة، أم أنه اكتفى بجذب مصانع ناجحة داخل اقتصاد لا يزال جزء كبير من القيمة التي ينتجها خارج حلقات التحكم الوطني؟

يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى