اقتصادالرئسية

«فيريتاس» في طنجة..من الاستثمار إلى الأثر

مصنع جديد.. وأسئلة أكبر من الأرقام المعلنة

لا يكفي أن يصل اسم أمريكي جديد إلى طنجة حتى يصبح الاستثمار رقماً آخر في سجل النجاحات الصناعية؛ فالقيمة الحقيقية لأي مشروع تبدأ من الأرقام التي تسمح بقياس أثره، وفي حالة مجموعة «فيريتاس» الأمريكية، المتخصصة في أنظمة التبريد وإدارة السوائل ومكونات التحكم المناخي للسيارات، فإن الإعلان عن أول منشأة لها في إفريقيا يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حجم المصنع وموقعه: كم سيستثمر؟ وكم منصب شغل سيخلق؟ وما القيمة التي سيضيفها فعلياً إلى الاقتصاد المحلي؟

اختارت المجموعة مدينة طنجة لتكون بوابتها الأولى إلى القارة، من خلال منشأة تحمل اسم ايتش دي تي-فيرِي أوتوموتيف المغرب داخل المنطقة الحرة، لتصبح أول موقع لها في المغرب وإفريقيا، وأول مشروع تصنيعي على أرض قائمة منذ اندماج «فيريتاس» مع «إتش دي تي أوتوموتيف» سنة 2024. وقد تأسست الشركة المغربية رسمياً هذا العام، في خطوة تضيف اسماً جديداً إلى المنظومة الصناعية المرتبطة بصناعة السيارات في طنجة.

من الإعلان إلى الإنتاج.. سباق مع الزمن

يمتد المصنع على مساحة خمسة آلاف متر مربع، منها 3835 متراً مربعاً مخصصة للإنتاج والتجهيزات، مع قدرات في مجال البثق (extrusion)، فيما يرتقب أن تبدأ سلسلة الإنتاج فعلياً خلال الربع الثالث من سنة 2027.. وبين الإعلان وموعد التشغيل تمتد مرحلة كاملة من تجهيز خطوط الإنتاج واختبار سلاسل الإمداد وتكوين اليد العاملة المحلية، وهي الفترة التي ستحدد ما إذا كان المشروع سيبقى مجرد حضور صناعي جديد أم سيتحول إلى حلقة فاعلة في سلسلة القيمة.

وأسندت إدارة المنشأة إلى جواد الميراوي، الذي راكم أكثر من 18 سنة من الخبرة في إدارة العمليات وسلاسل التوريد وإطلاق المصانع، على أن يعمل على تكوين فريق محلي، غير أن عدد المناصب التي سيحدثها المشروع عند دخوله مرحلة الإنتاج لم يُعلن عنه، وهو تفصيل لا يبدو ثانوياً في مشروع يُقدَّم باعتباره إضافة إلى النسيج الصناعي المحلي.

طنجة تجذب موردي السيارات العالميين

وتأتي خطوة «فيريتاس» ضمن شبكة صناعية تضم 13 منشأة للمجموعة موزعة بين أمريكا الشمالية وأوروبا والصين، وتخدم كبار مصنعي السيارات في هذه الأسواق، أما اختيار طنجة، فينسجم مع اتجاه متزايد لدى الموردين العالميين إلى الاقتراب من مواقع إنتاج السيارات بالمغرب، خصوصاً مع توسع القاعدة الصناعية للقطاع وارتباطها بسلاسل التوريد الدولية.

وهنا تكتسب المسألة بعداً يتجاوز المشروع نفسه، فقد بلغت صادرات قطاع السيارات بالمغرب 93.65 مليار درهم عند متم يونيو 2026، بارتفاع نسبته 17.4% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ليحافظ القطاع على موقعه كأكبر مصدر للصادرات المغربية خلال النصف الأول من السنة، كما أعلنت الحكومة أن القدرة الإنتاجية الوطنية وصلت إلى مليون سيارة سنوياً.

مليون سيارة.. لكن ماذا عن القيمة المضافة؟

تفسر هذه الأرقام جاذبية المغرب بالنسبة للموردين العالميين، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الأثر الاقتصادي،فارتفاع الصادرات واتساع القدرة الإنتاجية لا يكشفان تلقائياً عن حجم القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.. وغياب رقم معلن لعدد المناصب التي سيخلقها مصنع «فيريتاس» يجعل الحكم على أثره الاجتماعي المباشر مؤجلاً إلى حين اتضاح حجم التشغيل وطبيعة الوظائف ونسبة الإدماج المحلي، فالمسألة لا تتعلق فقط بوصول شركة أمريكية جديدة إلى طنجة، بل بما سيضيفه حضورها فعلياً إلى المدينة والجهة والاقتصاد المغربي.

في النهاية، يحمل المشروع دلالة واضحة على استمرار جاذبية طنجة لصناعة السيارات ومكوناتها، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً يتجاوز لغة الإعلانات: ماذا ينتج الاستثمار فعلياً من وظائف وقيمة مضافة واندماج محلي عندما تتحول الوعود إلى خطوط إنتاج؟

الجواب لن تحسمه بيانات الإعلان، بل الأرقام التي ستظهر مع انطلاق الإنتاج في 2027.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى