
أثار بلاغ إدارة المجموعة الصحية الترابية لجهة سوس ماسة بشأن واقعة ولادة سيدة بالقرب من أحد مداخل المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير، أكثر من سؤال بدل أن يغلق باب الجدل.
الإدارة اختارت أن تقدم روايتها لما وقع مساء الجمعة 11 شتنبر، مؤكدة أن السيدة وصلت إلى المستشفى وهي في مرحلة متقدمة من المخاض، وأنها وُجهت في البداية إلى مدخل مخصص للعاملين، قبل إرشادها نحو مدخل مستعجلات الولادة، غير أن الولادة حدثت بشكل مفاجئ أثناء توجهها إلى المدخل المعني.
وبحسب الرواية نفسها، تدخلت الفرق الصحية بسرعة، وتم التكفل بالأم ومولودتها، قبل أن تغادرا المؤسسة في اليوم الموالي وهما في حالة صحية جيدة.
لا أحد يجادل في أن سلامة الأم والرضيعة هي الأولوية، وأن انتهاء الواقعة دون مضاعفات صحية خبر إيجابي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل تم إنقاذ الأم والطفلة؟ بل أيضاً: لماذا وصلت امرأة في حالة مخاض إلى وضع اضطرت معه إلى الولادة بالقرب من مدخل المستشفى؟
البلاغ يشرح النهاية.. لكنه لا يجيب عن كل الأسئلة
اللافت في البلاغ أن جزءاً كبيراً منه انصرف إلى التأكيد على أن الولادة كانت “مفاجئة”، وأن السيدة كانت في مرحلة متقدمة من المخاض، مع التذكير بأهمية التتبع المنتظم للحمل والتوجه إلى المؤسسة الصحية في الوقت المناسب.
لكن هذه المعطيات لا تجيب، بمفردها، عن أسئلة جوهرية تتعلق بمسار الاستقبال.
هل كان هناك تأخر في الوصول إلى مدخل مستعجلات الولادة؟
هل كانت عملية توجيه السيدة واضحة وسريعة منذ لحظة وصولها؟
كم استغرق انتقالها من المدخل الأول إلى مدخل الولادة؟
وهل توجد مسطرة واضحة للتعامل فوراً مع امرأة تظهر عليها علامات المخاض المتقدم عند أي نقطة من نقاط الولوج إلى المستشفى؟
هذه ليست أسئلة هامشية، لأن الحديث يتعلق بمرفق صحي يفترض أن تكون فيه الاستعجالية وسرعة التدخل جزءاً من صميم الخدمة، لا تفصيلاً ثانوياً.
تحميل المرأة جزءاً من المسؤولية؟
الأكثر إثارة للانتباه أن البلاغ لم يكتف بتقديم الرواية الطبية للواقعة، بل ذكّر بأهمية تتبع الحمل والتوجه إلى المؤسسة الصحية في الوقت المناسب.
هذه النصيحة قد تكون مفيدة من الناحية الصحية، لكنها في سياق واقعة ولادة أمام مؤسسة استشفائية تطرح سؤالاً مشروعاً: هل المطلوب تفسير ما وقع أم تذكير النساء بما كان ينبغي عليهن فعله؟
فالمرأة التي تصل إلى مستشفى وهي في مرحلة متقدمة من المخاض تكون في حاجة أولاً إلى استقبال سريع وآمن، وليس إلى خطاب يمكن أن يُفهم منه، ولو بشكل غير مباشر، أن مسؤولية ما وقع تعود أساساً إلى توقيت وصولها.
المستشفى ليس مكان عادي
المراكز الاستشفائية لا تُقاس فقط بعدد المرضى الذين غادروا في حالة جيدة، بل أيضاً بمدى قدرة منظومتها على منع الحالات الحرجة من الوصول إلى لحظة الخطر.
والولادة، حتى عندما تكون طبيعية، ليست مشهداً ينبغي أن يحدث أمام أبواب المؤسسات الصحية.
قد تكون الولادة المفاجئة أمراً يصعب توقعه في بعض الحالات، وهذا أمر طبي معروف، لكن ذلك لا يلغي ضرورة طرح أسئلة حول الاستقبال والتوجيه وسرعة التدخل، خصوصاً عندما تكون الواقعة قد حدثت في محيط مؤسسة يفترض أن تتوفر فيها فرق متخصصة في طب النساء والولادة.
البلاغ الرسمي ليس الكلمة الأخيرة
من حق الإدارة أن تقدم روايتها، ومن واجب وسائل الإعلام أن تنقلها بدقة. لكن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يعرف الصورة كاملة.
فالبلاغ الرسمي يظل رواية المؤسسة المعنية، ولا يتضمن، وفق المعطيات المنشورة، شهادة مستقلة للأسرة أو تفاصيل دقيقة حول الدقائق التي سبقت الولادة.
ولهذا، فإن إغلاق الملف بعبارة “الولادة كانت مفاجئة” أو “الأم والرضيعة غادرتا في صحة جيدة” لا ينبغي أن يلغي الأسئلة المتعلقة بظروف الاستقبال.
المطلوب ليس جلد الأطر الصحية التي تدخلت، ولا التشكيك في جهود الفرق الطبية، وإنما الوقوف بجدية على مسار الواقعة وتحديد ما إذا كانت هناك ثغرات في الاستقبال أو التوجيه يمكن تفاديها مستقبلاً.
فإذا كانت الولادة فعلاً مفاجئة رغم توفر كل شروط الاستقبال، فلتُشرح المعطيات الطبية للرأي العام بوضوح. وإذا كان هناك خلل في مسار الولوج أو التوجيه، فالأجدر الاعتراف به وتصحيحه.
أما تحويل الواقعة إلى مناسبة لتذكير المواطن بضرورة “التوجه في الوقت المناسب”، ثم مطالبة الإعلام بتحري الدقة، بينما تبقى الأسئلة الأساسية معلقة، فلن يكون كافياً لإقناع الرأي العام بأن كل شيء جرى كما ينبغي.
الصحة العمومية لا تحتاج إلى بلاغات دفاعية بقدر ما تحتاج إلى أجوبة واضحة، ومحاسبة داخلية عند الاقتضاء، وضمان ألا تضطر امرأة أخرى إلى وضع مولودها أمام باب المستشفى الذي جاءت إليه أصلاً طلباً للرعاية.





