الرئسيةسياسة

تحالف اليسار..من «ماذا سنعطي؟» إلى «من يقرر؟»

في موسم انتخابي تغلب عليه لغة الأرقام والوعود السريعة، يأتي تحالف اليسار، المكوّن من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، ببرنامج لا يبدأ من السؤال المعتاد: كم منصب شغل سنخلق؟ وكم سندعم من الأسر؟ وكم سنرفع من الأجور؟

من يملك القرار؟

بل يبدأ من سؤال أكثر إزعاجا: من يملك القرار؟ ومن يتحكم في الثروة؟ ومن يحدد قواعد اللعبة؟

تلك هي الفكرة المركزية التي تحكم برنامج التحالف، الذي يرفع شعار «الكرامة أولاً» ويقدم 431 إجراء، موزعة على السياسة والاقتصاد والمجتمع والحقوق والبيئة والثقافة والسياسة الخارجية.

ومن هذه الزاوية، فإن البرنامج ليس فقط مجرد دفتر وعود انتخابية، بل محاولة لتقديم تصور مختلف لطبيعة الدولة نفسها: دولة أكثر ديمقراطية، واقتصاد أقل ارتهانا للريع، ومجتمع لا تتحول فيه الصحة والتعليم والسكن والتقاعد إلى امتيازات مرتبطة بالقدرة على الدفع.

لكن كلما ارتفع سقف البرنامج، ارتفع معه سقف الأسئلة.

ليست حكومة جديدة فقط.. بل قواعد جديدة للسلطة

أكثر ما يميز البرنامج الانتخابي لتحالف اليسار، أن الإصلاح السياسي يأتي في مقدمته، وليس في الهامش.

فالتحالف يطرح الانتقال نحو الملكية البرلمانية، وتعزيز صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وتقوية البرلمان، واستقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع مجال الحريات.

وهذا يعني أن التحالف لا يقول فقط إنه يريد الوصول إلى الحكومة لإدارة السياسات القائمة بشكل مختلف، وإنما يقول إنه يريد تغيير شروط ممارسة السلطة.

إنها نقطة جوهرية، لأن بقية البرنامج تكاد تكون مبنية عليها: لا يمكن، وفق هذا التصور، بناء دولة اجتماعية قوية بحكومة محدودة القرار، ولا يمكن محاربة الريع في ظل ضعف الرقابة والمساءلة، ولا يمكن إعادة توزيع الثروة من دون تغيير قواعد صناعة القرار الاقتصادي.

لكن هنا أيضاً يبدأ أول اختبار واقعي للبرنامج:

هل يمكن تنفيذ هذا التحول من داخل المؤسسات القائمة، أم أن تحقيقه يفترض أولا تحولا دستوريا وسياسيا عميقا؟

«الكرامة» تبدأ من محاربة الريع

العدالة الاجتماعية في برنامج اليسار لا تعني فقط أن تمنح الدولة المواطن دعما أكبر.

المعادلة أعمق.

فالتحالف يضع الريع والاحتكار وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع في قلب تشخيصه للاختلالات الاقتصادية.

بمعنى أن الفقر، في هذا التصور، ليس مجرد مشكلة نقص في الدخل، وإنما نتيجة أيضا لطريقة توزيع الفرص والثروة والامتيازات.

ومن هنا تأتي الدعوة إلى تشديد الرقابة، وتقوية آليات المحاسبة، ومحاربة تضارب المصالح، وربط المسؤولية السياسية بالمسؤولية القانونية.

وهذا الجزء من البرنامج يلامس أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد المغربي، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا لا يمكن القفز عليه:

كيف سيواجه التحالف المصالح التي ستتضرر من محاربة الريع؟

فالريع ليس قانونا يمكن تغييره بمرسوم فقط؛ إنه شبكة مصالح اقتصادية وسياسية وإدارية تحتاج إلى إرادة سياسية قوية ومؤسسات مستقلة وقدرة على فرض قواعد المنافسة.

اقتصاد لا يعيش على الامتيازات

التحالف يقترح الانتقال إلى اقتصاد منتج وسيادي، مع إعادة الاعتبار للقطاع العام، وتشجيع الاستثمار المنتج، ودعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وربط الاستثمار بالتشغيل والقيمة المضافة.

وهنا يختلف منطقه عن خطاب اقتصادي يختزل التنمية في استقطاب الاستثمار أو رفع معدل النمو.

السؤال الذي يضعه البرنامج هو:

أي نمو؟ ولمن؟ وبأي تكلفة اجتماعية؟

فالتحالف يريد اقتصادا ينتج الثروة، لكن يريد أيضا أن يعيد توزيعها، وأن يجعل التشغيل جزءا من وظيفة الاستثمار، لا نتيجة عرضية له.

وإن كانت هذه واحدة من نقاط القوة الفكرية في البرنامج، فإنها في الوقت نفسه تحتاج إلى إجابات أكثر تفصيلا حول كيفية تحقيق التوازن بين الاستثمار الخاص والقطاع العام، وكيفية رفع الإنتاجية، وكيفية حماية الاقتصاد الوطني من دون عزله عن الاقتصاد العالمي.

حين تصبح الوعود بحاجة إلى دفتر شيكات

ربما يكون «ميثاق التمويل السيادي» من أكثر أجزاء البرنامج إثارة للاهتمام.

فالتحالف يقترح تعبئة نحو 162 مليار درهم سنويا في أفق 2031 لتمويل الإصلاحات.

وهنا يقترب البرنامج من الامتحان الحقيقي.

لأن المواطن لا يحتاج فقط إلى أن يسمع أن التعليم سيكون أفضل، والصحة ستكون أفضل، والمعاشات ستكون أعلى، والتشغيل سيكون أوسع.

إنه يحتاج إلى معرفة:

من سيدفع؟

هل التمويل سيأتي من إصلاح ضريبي أكثر عدالة؟ من تقليص النفقات؟ من إعادة توجيه الاستثمار العمومي؟ من محاربة التهرب الضريبي؟ من استعادة الأموال الناتجة عن الريع والاحتكار؟ أم من مزيج من كل ذلك؟

وهذه ليست تفاصيل تقنية.

إنها جوهر المصداقية المالية لأي برنامج انتخابي.

الدولة الاجتماعية.. ولكن من يدفع ثمنها؟

في الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية، يرفع التحالف سقف الدولة الاجتماعية إلى مستوى واضح، فالمدرسة العمومية، والجامعة،و البحث العلمي، و المستشفى العمومي، السكن اللائق، الحماية الاجتماعية، حقوق العمال والتقاعد، كلها تظهر باعتبارها حقوقا وليست مجرد خدمات.

وهذا يضع البرنامج في مواجهة مباشرة مع سؤال النموذج الاجتماعي المغربي:

هل المطلوب دولة تمنح دعما نقديا للأسر، أم دولة تقدم خدمات عمومية قوية تقلل أصلا من حاجة المواطن إلى الإنفاق من جيبه؟، هنا واستنادا لقراء متأنية للبرنامج، تحالف اليسار يميل بوضوح إلى الخيار الثاني.

فالمدرسة العمومية الجيدة، والمستشفى العمومي القادر على العلاج، والنقل العمومي، والسكن اللائق، كلها بالنسبة إليه أدوات لإعادة توزيع الثروة.

بالنسبة لبرنامج تحالف اليسار،  الدولة الاجتماعية لا تُبنى بالشعارات، إنها تحتاج إلى ميزانية، وموارد بشرية، وإدارة فعالة، وإصلاح ضريبي، ومحاربة الهدر والفساد، وأولوية سياسية مستمرة.

وهنا يعود البرنامج مرة أخرى إلى نقطة بدايته: السياسة

التشغيل.. ليس مجرد رقم

في ملف التشغيل، يتحدث التحالف عن استراتيجية للوصول إلى العمالة الكاملة، لكنه لا ينظر إلى الوظيفة باعتبارها رقما في تقرير حكومي، فالعمل بالنسبة إليه يجب أن يكون منتجا، مستقرا، ومحميا بالحقوق الاجتماعية والنقابية.

وهذه نقطة مهمة في بلد لا تكمن مشكلة سوق العمل فيه فقط في البطالة، بل أيضا في هشاشة جزء من الوظائف وضعف الأجور واتساع الاقتصاد غير المهيكل.

وبذلك يطرح التحالف سؤالا مختلفا:

ليس فقط كم وظيفة سنخلق؟ بل ما نوع الوظائف التي نريدها؟

غير أن الانتقال من هذا التصور إلى العمالة الكاملة يحتاج إلى نموذج اقتصادي قادر على خلق ملايين فرص العمل المنتجة، وليس فقط برامج مؤقتة أو وظائف مدعومة.

وهنا مرة أخرى سيُختبر البرنامج أمام الاقتصاد الحقيقي.

2000 درهم للمتقاعدين.. وعد كبير وسؤال أكبر

من بين الإجراءات الاجتماعية اللافتة اقتراح زيادة معاشات المتقاعدين بـ2000 درهم شهرياً، وهو إجراء ذو أثر مباشر على القدرة الشرائية، لكنه يفتح في الوقت نفسه السؤال المالي الأكثر وضوحا:

ما الكلفة السنوية لهذا الالتزام؟ وكيف سيتم تمويله على المدى الطويل؟

هذه ليست محاولة لتقليل قيمة الوعد، وإنما هي بالضبط الطريقة التي ينبغي أن تُقرأ بها البرامج الانتخابية: كل وعد مالي له فاتورة، وكل فاتورة تحتاج إلى مصدر تمويل.

وإذا كان التحالف يقدم تصورا لتمويل إصلاحاته، فإن الاختبار سيكون في مدى انسجام هذه الالتزامات مع موارده المقترحة.

الثقافة.. حين تصبح المعركة على الإنسان أيضا

في زمن تختزل فيه الانتخابات غالبا في الاقتصاد والأسعار والتشغيل، يذهب التحالف إلى ملف الثقافة.

ويقترح رفع ميزانية الثقافة تدريجيا إلى 1 في المائة من الميزانية العامة في أفق 2031، إلى جانب إحداث مكتبات ومراكز ثقافية وفضاءات للعروض وقاعات سينما عمومية ودعم القراءة والنشر والترجمة.

قد يبدو ذلك هامشيا أمام ملفات البطالة والصحة والماء.

لكن فلسفة البرنامج تقول العكس:

من خلال قراء متأنية للبرنامج، فإن الدولة الاجتماعية بالنسبة للتحالف اليساري، ليست فقط أن توفر للمواطن الخبز والدواء، بل أن توفر له أيضا شروط بناء شخصيته ووعيه ومشاركته الثقافية، إنها رؤية سياسية للثقافة، وليست مجرد سياسة دعم للفنانين.

الماء والغذاء والطاقة.. السيادة في نسخة جديدة

التحالف يضع الماء والسيادة الغذائية والطاقة والبيئة ضمن مشروعه الاقتصادي والاجتماعي.

الإجهاد المائي، تحلية مياه البحر، حماية الموارد الطبيعية، الطاقات المتجددة، النقل المستدام، الاقتصاد الدائري، كلها تدخل في تصور أوسع عنوانه السيادة.

وهنا يتقاطع البرنامج مع واحدة من أكبر تحديات المغرب في السنوات المقبلة:

كيف يمكن تحقيق النمو الاقتصادي من دون استنزاف الموارد الطبيعية؟

وكيف يمكن تطوير الفلاحة والصناعة والسياحة من دون تحويل الماء إلى مورد نادر تتحمل الأسر والفئات الهشة كلفته؟

هذه الأسئلة تجعل الجزء البيئي من البرنامج أكثر من مجرد فصل أخضر في وثيقة انتخابية.

الحقوق والحريات.. هنا تظهر الهوية السياسية

إذا كان هناك ملف يكشف الهوية السياسية للتحالف بوضوح، فهو الحقوق والحريات.

فالبرنامج يربط الديمقراطية بحرية التعبير والصحافة والوصول إلى المعلومة، ويدعو إلى انفراج سياسي وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية قضايا الرأي والاحتجاج، بما في ذلك معتقلي حراك الريف وجيل Z ومناهضي التطبيع.

وهذا ليس تفصيلا في البرنامج، فالتحالف يريد أن يقول إن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تنفصل عن دولة الحقوق.

ومن وجهة نظره، لا تكفي المدرسة والمستشفى والدعم الاجتماعي إذا ظلت مساحة التعبير السياسي والاحتجاج والمشاركة الديمقراطية محدودة.

فلسطين.. خط أحمر في البرنامج

في السياسة الخارجية، يعلن التحالف رفضه للتطبيع مع إسرائيل ودعمه للقضية الفلسطينية، وهنا أيضا لا يضع البرنامج فلسطين في فصل بروتوكولي عن السياسة الخارجية، وإنما يجعلها جزءا من هويته السياسية.

ويقرأ التحالف قضية فلسطين والتطبيع ضمن تصور أوسع للاستقلال الوطني ورفض ما يعتبره ارتهانا للقرار الوطني.

وبالتالي، فإن موقفه من التطبيع ليس مجرد موقف دبلوماسي، وإنما امتداد لمفهومه عن السيادة السياسية.

الصحراء.. الوطنية من بوابة الديمقراطية

في قضية الصحراء، يؤكد التحالف مواقفه المرتبطة بالوحدة الترابية ومقترح الحكم الذاتي، لكنه يربط ذلك بالجهوية الديمقراطية والتنمية العادلة والمشاركة المحلية.

وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية في البرنامج:

تقوية الموقف الوطني لا تكون فقط عبر السياسة الخارجية، بل أيضا عبر بناء دولة ديمقراطية قوية من الداخل.

ولهذا يربط التحالف بين الديمقراطية والسيادة، ويدعو في الوقت نفسه إلى إعادة بناء العلاقات المغاربية والحوار مع الجزائر.

البرنامج الأكثر طموحاً هو البرنامج الأكثر تعرضاً للمساءلة

قد يكون من السهل قراءة البرنامج باعتباره «يساريا» فقط لأنه يتحدث عن العدالة الاجتماعية والدولة العمومية ومحاربة الريع.

لكن القراءة الأعمق تكشف أنه يحاول بناء سلسلة مترابطة:

الديمقراطية تقود إلى المساءلة.

والمساءلة تفتح الباب أمام محاربة الريع.

ومحاربة الريع توفر موارد لإعادة توزيع الثروة.

وإعادة توزيع الثروة تمول الدولة الاجتماعية.

والدولة الاجتماعية تعزز الكرامة والمواطنة.

بهذا المعنى، فإن شعار «الكرامة أولا» ليس مجرد عبارة انتخابية؛ إنه يلخص فلسفة كاملة.

لكن هنا أيضا تكمن المفارقة.

فكلما كان البرنامج أكثر طموحا، أصبحت الأسئلة حول التمويل والتنفيذ وموازين القوى السياسية أكثر صعوبة.

هل يستطيع التحالف تنفيذ 431 إجراء؟

هل يستطيع جمع 162 مليار درهم سنويا لتمويل مشروعه؟ و هل يستطيع مواجهة مصالح اقتصادية مرتبطة بالريع والاحتكار؟ و هل يستطيع إصلاح العلاقة بين المؤسسات المنتخبة وباقي مراكز القرار؟ وهل يمكن تحقيق كل ذلك داخل ولاية حكومية واحدة؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تخرج ببرنامج تحالف اليسار من دائرة التصفيق أو الرفض السياسي إلى دائرة المحاسبة الانتخابية الجدية.

من «ماذا سنعطيكم؟» إلى «كيف سنغير قواعد اللعبة؟»

في نهاية المطاف، أهم ما يقوله تحالف اليسار في هذه الانتخابات ليس أنه سيمنح المواطن دعما إضافيا أو يخلق عددا معينا من الوظائف.

رسالته الأعمق من خلال قراءة البرنامج هي:

المشكلة ليست فقط في حجم ما يحصل عليه المواطن من الدولة، وإنما في الطريقة التي تُدار بها الدولة والثروة والسلطة.

ولهذا يبدأ البرنامج من الملكية البرلمانية، ويمر عبر محاربة الريع والاحتكار، ويصل إلى الصحة والتعليم والتقاعد والتشغيل والثقافة والماء والبيئة.

إنه برنامج يريد تغيير قواعد اللعبة قبل توزيع ثمارها.

لكن السياسة لا تختبر النوايا، بل القدرة على تحويل الأفكار إلى قرارات، والقرارات إلى ميزانيات، والميزانيات إلى نتائج، وهنا سيكون الامتحان الحقيقي لتحالف اليسار: هل يستطيع أن يحول «الكرامة أولاً» من شعار انتخابي إلى طريقة فعلية في الحكم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى