
دعا المكتب التنفيذي لمركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، إلى جعل استكمال تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وصون مكتسبات العدالة الانتقالية التزاماً واضحاً ضمن برنامجها، يترجم إلى إجراءات عملية وآجال معلنة وآليات للتتبع والمساءلة.
وأكد المركز، في بلاغ صدر عقب اجتماع مكتبه التنفيذي بمدينة طنجة، على ضرورة جعل حقوق الإنسان والحريات مرجعية أساسية للسياسات العمومية، بما يعزز الإصلاح الديمقراطي ويرسخ الثقة بين الدولة والمجتمع، ويستجيب لتطلعات المواطنات والمواطنين إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية.
دعوة إلى إطلاق سراح معتقلي الحراكات الاجتماعية
وشدد المكتب التنفيذي على أن المرحلة الراهنة تقتضي تنقية الأجواء السياسية والحقوقية، من خلال إطلاق سراح جميع معتقلي الحراكات الاجتماعية على خلفية التعبير والاحتجاج السلميين، وفتح أفق للحوار يستوعب المطالب الاجتماعية ويحمي الحق في المشاركة والاختلاف.
واعتبر المركز أن هذه الخطوة من شأنها أن تشكل مدخلاً لتجديد الثقة وتعزيز شروط الانخراط في الإصلاح، مؤكداً أن ترسيخ الديمقراطية لا ينفصل عن ضمان ممارسة الحقوق والحريات واحترام التعددية.
استحضار رسالة الملك بشأن العدالة الانتقالية
واستحضر المركز الرسالة الملكية الموجهة، في 6 دجنبر 2024، إلى المشاركين في المناظرة الدولية المنظمة بمناسبة الذكرى العشرين لإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، وما أكدته من ارتباط التجربة المغربية للعدالة الانتقالية بالإصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية، وترسيخ دولة الحق والقانون.
واعتبر المكتب التنفيذي أن هذه المرجعية تشكل دعوة إلى مواصلة الإصلاح واستكمال مقوماته وصون مكتسباته، مؤكداً أن الوفاء لروح الإنصاف والمصالحة يقتضي الانتقال من استحضار التجربة إلى استكمال تنفيذ توصياتها وترجمتها إلى سياسات وممارسات ملموسة.
وفي هذا السياق، دعا الحكومة الجديدة إلى تحمل مسؤوليتها في مواصلة هذا المسار، بما يضمن توسيع مجال الحرية وترسيخ الإنصاف وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
حقوق الإنسان والمساواة في صلب السياسات العمومية
وأكد البلاغ ضرورة جعل حقوق الإنسان والحريات مرجعية حاكمة لجميع السياسات العمومية، وضمان التمتع الفعلي بها للجميع دون تمييز، مع التصدي لكل أشكال الانتهاك أو التراجع.
وأولى المركز أهمية خاصة لحقوق النساء، وتحقيق المساواة ومناهضة العنف والتمييز ضدهن، إلى جانب حماية حقوق الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة وكبار السن والمهاجرين، وضمان كرامة الفئات الأكثر عرضة للهشاشة والإقصاء.
كما شدد على أن تعزيز الحقوق والحريات يقتضي صون استقلال المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وضمان حرية عمل المجتمع المدني واحترام أدواره في الحماية والاقتراح والنقد والمساءلة، فضلاً عن تعزيز الحوار معه بشأن السياسات والتشريعات المرتبطة بالحقوق والحريات.
الأمازيغية وحرية الإبداع ومواجهة خطاب الكراهية
وفي المجال الثقافي، دعا المركز إلى ضمان حرية التعبير والإبداع واحترام التعددية اللغوية والثقافية، مع التفعيل الفعلي للطابع الرسمي للغة الأمازيغية في التعليم والإدارة والخدمات العمومية، بما يكرس المساواة في الحقوق والاعتراف بمكونات الهوية المغربية.
وأكد المكتب التنفيذي أن ترسيخ ثقافة الحرية والمساواة والعيش المشترك العادل لا ينبغي أن يظل مقتصراً على النصوص والمرجعيات، بل يتعين إدماجه في السياسات الحكومية وفي المدارس والجامعات ومؤسسات التكوين والإعلام والفضاءات الثقافية، فضلاً عن تكوين العاملين بالمرافق العمومية على احترام حقوق المواطنين.
كما دعا إلى مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز، وتنمية ثقافة الحوار والتفكير النقدي واحترام الاختلاف، باعتبارها شروطاً أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي يحترم التعدد ويصون الكرامة الإنسانية.
العدالة الاجتماعية والمجالية امتداد للإنصاف والمصالحة
وربط المركز الوفاء لروح الإنصاف والمصالحة بتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتقليص الفوارق، وضمان الإنصاف في الولوج إلى التعليم والصحة والشغل والخدمات الأساسية.
واعتبر أن ترسيخ دولة الحق والقانون لا يكتمل دون سياسات عمومية قادرة على الحد من الإقصاء والتفاوتات، وتوفير شروط العيش الكريم لجميع المواطنات والمواطنين، بما يجعل الإنصاف ممارسة فعلية في الحياة اليومية، وليس مجرد مرجعية تاريخية أو سياسية.
المركز يستعد لمواصلة الترافع الحقوقي
وجاء اجتماع المكتب التنفيذي بطنجة أيضاً في سياق التحضير للدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة، والدورة التاسعة للجائزة الدولية «ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلام»، والدورة الأولى لدائرة الشباب من أجل السلام.
وشكل الاجتماع مناسبة لتكريم الدكتور محمد النشناش، نائب رئيس المركز وعضوه المؤسس وعضو هيئة الإنصاف والمصالحة، تقديراً لمساره الحقوقي والإنساني وإسهامه في تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب.
وبمناسبة تعيين الحكومة الجديدة، هنأ المركز رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وأعضاء حكومتها، معرباً عن تطلعه إلى أن يشكل انطلاق عملها فرصة لتجديد الثقة وتعميق الإصلاح الديمقراطي، وجعل حماية الحقوق والحريات التزاماً فعلياً في اختياراتها وممارستها.
وأكد المركز، في ختام بلاغه، استعداده للإسهام، من موقعه المدني المستقل، في كل حوار يخدم هذه الأهداف، ومواكبة العمل الحكومي من خلال الاقتراح والتقييم والنقد المسؤول، مشدداً على أن إبقاء جذوة الإنصاف والمصالحة حية مسؤولية سياسية وأخلاقية، يترجم الوفاء لها بحماية الحقوق والحريات واستكمال تنفيذ التوصيات وبناء عيش مشترك أكثر عدلاً وحرية وكرامة.




