
قال الصحافي والكاتب علي أنوزلا إن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لم تمضِ سوى 48 ساعة على تعيينها حتى وجدت نفسها أمام أول أزمة سياسية، بعدما جرى إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، مديحة خيير. واعتبر، في مقال رأي نشره موقع «العربي الجديد»، أن المفارقة تكمن في أن أولى ضحايا الحكومة التي تقودها امرأة كانت امرأة أيضا، في وقت كان يُنتظر فيه أن يشكل هذا التحول التاريخي فرصة لتعزيز حضور النساء في مواقع القرار واستعادة الثقة في العمل السياسي.
وأوضح أنوزلا أن القضية تتجاوز مصير وزيرة إلى إشكالية أعمق تتعلق بمعايير اختيار المسؤولين ومحاسبتهم، ومدى خضوع الجميع للقواعد نفسها، بعيدا عن الحسابات السياسية والضغوط الإعلامية.
إعفاء سريع وأسئلة معلقة
و أشار أنوزلا إلى أن الديوان الملكي أعلن، يوم 18 أكتوبر، موافقة الملك محمد السادس على طلب رئيسة الحكومة إعفاء مديحة خير، من دون تقديم تفاصيل بشأن أسباب القرار.
وجاء الإعفاء بعدما تداولت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وثائق مرتبطة بملف قضائي يعود إلى نحو عشرين سنة، يتضمن اتهامات بالنصب والاحتيال واستعمال شيكات بنكية، إلى جانب وثيقة طبية تتضمن معلومات شخصية.
وأضاف الكاتب أن الناطق الرسمي باسم الحكومة ربط الإعفاء بما جرى تداوله، واعتبره نتيجة تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية، من دون الإعلان عن نتائج تحقيق رسمي توضح الأساس الذي استند إليه القرار.
وتساءل أنوزلا، من خلال تحليله، عن طبيعة المحاسبة التي تتحرك بسرعة عندما تتحول ملفات مسؤولين إلى قضايا إعلامية، بينما تظل ملفات أخرى مرتبطة بشبهات تضارب المصالح واستغلال النفوذ وتدبير المال العام دون إجراءات مماثلة أو توضيحات كافية.
معايير المحاسبة بين الإعفاء والعودة إلى المسؤولية
لفت أنوزلا إلى أن السنوات الماضية شهدت إثارة ملفات وشبهات طاولت مسؤولين سياسيين وحكوميين، من بينهم أشخاص في الحكومة الحالية، مشيرا إلى أن التساؤلات التي أثيرت بشأن احتمال تضارب المصالح في بعض الحالات لا يجوز اعتبارها إدانات من دون أدلة وقرارات قضائية.
كما استحضر عودة وزير سبق إعفاؤه سنة 2017، على خلفية اختلالات ارتبطت بمشروع عمراني في الحسيمة، إلى الحكومة الحالية.
وكان بلاغ الديوان الملكي آنذاك قد تحدث عن اختلالات في الوفاء بالالتزامات والحكامة والتنسيق وتحمل المسؤولية.
وتطرح هذه المقارنة، بحسب القراءة التي يقدمها أنوزلا، سؤالا بشأن اتساق معايير الاختيار والمحاسبة، من دون أن يعني ذلك التطابق بين الملفين من حيث طبيعتهما القانونية والسياسية.
فالمشكلة ليست في إعفاء مسؤول أو إعادة مسؤول آخر إلى منصبه في حد ذاتهما، بل في غياب التوضيحات الكافية التي تشرح المعايير المعتمدة في كل حالة، بما يضمن عدم تحول المحاسبة إلى ممارسة انتقائية.
مسؤولية المنصوري تبدأ من التعيين
أكد أنوزلا أن مسؤولية رئيسة الحكومة لا تنتهي بطلب إعفاء الوزيرة، بل تبدأ من مرحلة اختيارها ضمن الفريق الحكومي.
فإذا كانت الوقائع المتداولة معروفة قبل التعيين، فلماذا لم تؤخذ بعين الاعتبار؟ وإذا لم تكن معروفة، فذلك يطرح أسئلة حول آليات التدقيق في الملفات المهنية والقضائية للمرشحين للمناصب العليا.
وتمتد المسؤولية السياسية، وفق هذا المنظور، إلى الحزب الذي اقترح الوزيرة ورئيسة الحكومة التي اختارتها، لأن التعيين لا ينبغي أن يخضع للتوازنات الحزبية وحدها، بل لمعايير النزاهة والكفاءة والمصداقية.
تسريبات وأزمة ثقة
وتوقف الكاتب عند الغموض المحيط بمصدر الوثائق وتوقيت نشرها، وما أثير بشأن دور امرأة في تداول بعضها، مشيرا إلى أن هذه المعطيات لا تكفي للجزم بوجود تدخل من جهات نافذة لإرباك الحكومة.
كما أن اختزال القضية في صراع شخصي أو في ما يسمى «كيد النساء» يحجب الأسئلة المتعلقة بصحة الوثائق وخلفيات نشرها واحترام الخصوصية.
وخلص أنوزلا إلى أن الأزمة تأتي في سياق تراجع الثقة في السياسة والمؤسسات، كان يُفترض أن يشكل تعيين أول امرأة رئيسة للحكومة فرصة لمعالجته، غير أن تغيير الوجوه لا يكفي، في غياب قواعد واضحة لاختيار المسؤولين ومحاسبتهم.
فالمغاربة، وفق خلاصة هذا التحليل، لا يحتاجون إلى إعفاءات تتحرك تحت ضغط الفضائح، بل إلى مؤسسات تطبق معايير النزاهة والشفافية على الجميع.
وعندما يعود مسؤولون سبق إعفاؤهم، بينما يُبعد آخرون بعد أيام من تعيينهم، من دون تفسير واضح لاختلاف المعايير، تتعمق أزمة المصداقية، ويعود المثل المغربي إلى الواجهة: «في المغرب لا تستغرب».





