
أجرى الحوار: بثينة المكودي
وضعت الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري الأمن المائي والطاقي والغذائي ضمن أولويات برنامجها للفترة 2026-2031، معلنة عن أهداف تشمل تعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق سنة 2031، ورفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة بحلول سنة 2030، وزيادة حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية.
وتأتي هذه الالتزامات في سياق تتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية، وتتسع فيه المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية وتقلبات الأسواق الدولية، ما يجعل الأمن المائي والطاقي والغذائي من أبرز التحديات المطروحة أمام السياسات العمومية.
غير أن الإعلان عن أهداف رقمية لا يحسم وحده معضلة الأمن الاستراتيجي. فالسؤال لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات التي ستُعبأ أو المشاريع التي ستدخل حيز التنفيذ، بل أيضاً بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في تدبير الموارد، ومراجعة الاختيارات التي تؤثر في استهلاك المياه وحماية الثروات الطبيعية.
وفي قراءة نقدية لمضامين التصريح الحكومي، اعتبر المهدي لحلو، الخبير الاقتصادي المهتم بقضايا الماء، أن الأرقام المعلنة لا تحمل جديداً جوهرياً، وأن الحكومة تواصل، في نظره، توجهات سبق الإعلان عنها خلال السنوات الماضية، دون تقديم مؤشرات كافية على تغيير السياسة المائية.
الأمن المائي بدل السيادة المائية
في مستهل تقييمه، توقف المهدي لحلو عند استعمال مفهوم «السيادة المائية»، معتبراً أن هذا المصطلح غير دقيق في سياق الحديث عن الماء، وأن الأنسب هو الحديث عن الأمن المائي.
وقال لحلو: «السيادة المائية ما عندها حتى معنى فيما يتعلق بالماء»، موضحاً أن المغرب يمتلك موارده المائية داخل ترابه، وأن التحدي يتمثل في ضمان الأمن المائي، على غرار الحديث عن الأمن الغذائي والأمن الطاقي.
وأضاف أن الأمن الغذائي والطاقي يطرح بدوره إشكالات مرتبطة بالاعتماد على الخارج، في حين ينبغي أن ينصب النقاش حول الماء على كيفية ضمان توفره وحمايته واستدامة موارده.
ويضع هذا الطرح مسألة تدبير الموارد في قلب النقاش، إذ لا يتعلق التحدي فقط بتعبئة كميات إضافية من المياه، بل أيضاً بحماية الموارد المتاحة وضمان استمراريتها.
1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة.. أين يكمن الجديد؟
بخصوص إعلان الحكومة تعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق سنة 2031، اعتبر لحلو أن الرقم لا يمثل جديداً جوهرياً مقارنة بما سبق الإعلان عنه.
وأشار إلى أن الوزير المكلف بالماء سبق أن أعلن، خلال يوليوز 2025، عن هدف إنتاج يقارب 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة بحلول سنة 2030.
وقال الخبير الاقتصادي: «ليس هناك أي جديد على مستوى الأرقام»، مضيفاً أن المعطيات المعلنة كانت معروفة لدى المتتبعين والمهتمين بقضايا الماء قبل تقديم التصريح الحكومي.
واستحضر لحلو أيضاً الأهداف المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد، متسائلاً عن القيمة المضافة التي تحملها الأرقام الجديدة مقارنة بالالتزامات السابقة.
ولم يحصر الخبير ملاحظاته في مشاريع التحلية، بل أشار كذلك إلى أن أوراش السدود المعلن عنها سبق أن انطلقت أو جرى الإعلان عنها منذ سنوات، معتبراً أن التصريح الحكومي لم يقدم معطيات جديدة كافية بشأن تغيير السياسة المائية.
وبحسب لحلو، فإن القضية لا تتعلق فقط بتحديد كميات إضافية من المياه، وإنما بمدى وجود تغيير فعلي في التوجهات التي تحكم تدبير الموارد المائية بالمغرب.
وتطرح مشاريع التحلية، في المقابل، أسئلة بشأن كلفة الإنتاج والطاقة اللازمة لتشغيل المحطات والآثار البيئية، فضلاً عن كلفة نقل المياه إلى المناطق المستفيدة. كما أن تعبئة موارد إضافية لا تكفي وحدها إذا لم تواكبها إجراءات لترشيد الاستهلاك وحماية الموارد الجوفية.
الطاقات المتجددة.. أهداف سبق الإعلان عنها
تطرق لحلو أيضاً إلى الهدف المعلن بشأن رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة بحلول سنة 2030، معتبراً أن هذا الرقم سبق أن ورد ضمن التوجهات المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد.
وأشار إلى أن المعطى المتعلق بحصة الطاقات المتجددة كان مطروحاً منذ سنوات، معتبراً أن التصريح الحكومي لم يقدم، في هذا الجانب، جديداً جوهرياً على مستوى الأرقام.
وتأتي هذه الملاحظة ضمن تقييمه العام لمضامين التصريح، الذي يرى أنه أعاد طرح أهداف معروفة دون أن يتضمن تحولاً واضحاً في السياسات المعتمدة.
ومن الناحية الاقتصادية، يظل تقييم هذا الهدف مرتبطاً بمدى تطوير البنية التحتية الكهربائية وقدرات التخزين، وتقليص التبعية الطاقية، وانعكاس الاستثمارات على كلفة الطاقة بالنسبة إلى الأسر والمقاولات.
أما رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة، فيندرج ضمن الأهداف التي أعلنتها الحكومة لتعزيز الإنتاج الوطني وتقوية الأمن الغذائي. غير أن تصريح لحلو ركز أساساً على السياسة المائية، ولم يتضمن تقييماً تفصيلياً مستقلاً لهذا الهدف.
السياسة الفلاحية منذ 2008.. الحلقة الغائبة في تدبير الماء
شكلت السياسة الفلاحية أحد أبرز محاور انتقاد المهدي لحلو لمضامين التصريح الحكومي، إذ اعتبر أن الحكومة لم تتحدث عن تغيير السياسة الفلاحية المتبعة منذ سنة 2008، والتي يرى أنها فاقمت وضعية المياه في المغرب.
وأوضح أن التصريح لم يتضمن توجهاً واضحاً لمراجعة هذه السياسة، رغم ارتباطها المباشر بمستوى استهلاك المياه والضغط على الموارد المتاحة.
وشدد لحلو على أن غياب الربط بين السياسة الفلاحية والسياسة المائية يشكل أحد أبرز أوجه القصور في المضامين المعلنة، قائلاً إن «الربط ما بين السياسة الفلاحية والسياسة المائية» غاب عن التصريح الحكومي.
وبحسب قراءته، لا يكفي الإعلان عن مشاريع التحلية والسدود دون التطرق إلى السياسات التي تؤثر في وضعية الموارد المائية، خصوصاً أن الاختيارات الفلاحية تحدد جانباً مهماً من أنماط استهلاك الماء.
ويعيد هذا الموقف طرح سؤال مدى ملاءمة السياسة الفلاحية للإمكانات المائية المتاحة، وكيفية التوفيق بين متطلبات الإنتاج الزراعي وضمان استدامة الموارد.
حماية الأنهار والفرشات المائية والغطاء الغابوي
انتقد لحلو كذلك غياب إجراءات واضحة في التصريح الحكومي لحماية مياه الأنهار والموارد الجوفية من التلوث.
وأشار إلى أن البرنامج لم يتضمن، بحسب قراءته، حديثاً واضحاً عن حماية المياه السطحية والجوفية، كما لم يربط بين الغطاء الغابوي في المغرب والمياه المتاحة.
وفي هذا السياق، تحدث عن ضرورة وضع برنامج وطني لغرس الأشجار في مختلف مناطق البلاد، معتبراً أن هذا التوجه ضروري لحماية التراب والتربة والمساهمة في الحفاظ على الموارد الطبيعية.
وتعكس هذه الملاحظات دعوة إلى توسيع مقاربة الأمن المائي لتشمل حماية الموارد الموجودة، والحد من تلوثها، وربط تدبير المياه بالسياسات البيئية والفلاحية.
تحلية مياه البحر.. جزء من الحل وتداعياتها تحتاج إلى تقييم
في ما يتعلق بدور تحلية مياه البحر في مواجهة الخصاص المائي، اعتبر لحلو أنها جزء من الحل، لكنه أوضح أن تقييم تداعياتها البيئية يتطلب التمييز بين المشاريع بحسب حجمها والتقنيات المستعملة فيها.
وأشار إلى أنه لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة بين محطة كبرى للتحلية، مثل المشروع الذي تحدث عنه في الدار البيضاء، ووحدة صغيرة لتحلية المياه في منطقة مثل طاطا أو مناطق أخرى من المغرب، نظراً إلى الاختلاف في حجم المنشآت والتجهيزات والوسائل التقنية المستخدمة.
وأكد أن الآثار البيئية للتحلية موضوع يحتاج إلى دراسة تفصيلية، بالنظر إلى ارتباطه بالتقنيات المعتمدة وحجم المعدات والوسائل المستعملة في إنتاج المياه.
غير أن لحلو أعاد التأكيد على أن الإشكال لا يتعلق فقط بالتداعيات البيئية للمحطات، بل أيضاً بغياب تغيير في السياسة المائية ككل، خصوصاً في ظل عدم الربط بين تدبير الماء والسياسة الفلاحية.
لحلو ينتقد المستوى اللغوي لرئيسة الحكومة
إلى جانب ملاحظاته بشأن مضامين التصريح الحكومي، وجه المهدي لحلو انتقاداً مباشراً إلى المستوى اللغوي لرئيسة الحكومة، رابطاً ملاحظته بما اعتبره الحاجة إلى تقديم برامج جديدة قادرة على تغيير التوجهات السابقة.
وقال لحلو: «هناك ضعف شديد بالنسبة لرئيسة الحكومة الحالية، هذا الضعف ليس ضعفاً سياسياً، بل هو ضعف لغوي قد يمس بكفاءتها في تسيير الحكومة وبكفاءتها في التوصل لبرامج جديدة تغير البرامج أو تسمح بتغيير البرامج المعلنة سابقاً نحو سياسة أفضل، وقرارات أفضل، على الخصوص فيما يتعلق بالسياسة المائية».
ويأتي هذا التصريح في سياق تقييمه العام للبرنامج الحكومي، الذي يرى أنه لم يقدم جديداً على مستوى الأرقام أو السياسات المعلنة في مجال الماء.
ويظل هذا الانتقاد تعبيراً عن موقف الخبير وتقييمه الشخصي، فيما يبقى الحكم على السياسات الحكومية مرتبطاً بمضمون القرارات المتخذة ومدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في تدبير الموارد المائية.
لا التزامات جديدة ولا تحول في السياسة المائية
في خلاصة تقييمه، شدد المهدي لحلو على أن التصريح الحكومي يعكس، في نظره، استمراراً للتوجهات السابقة أكثر مما يعكس تحولاً في السياسة المائية.
وقال: «لا يوجد هناك التزامات جديدة، ولا يوجد تحول كما قلت، بل هي استمرارية فقط لما جاء في الخطاب الرسمي منذ سنوات».
وأضاف أن الحكومة الحالية ربما لم يتوفر لها الوقت الكافي لتدارس ما يمكن أن تقدمه من جديد، لكنه أكد أن الأرقام المعلنة والبرامج المرتبطة بالماء كانت معروفة قبل تقديم التصريح الحكومي.
وتتمثل الخلاصة الأساسية لموقفه في أن التحدي لا يكمن فقط في رفع حجم المياه المحلاة أو مواصلة بناء السدود، وإنما في مراجعة السياسة الفلاحية، وحماية الأنهار والموارد الجوفية من التلوث، وربط تدبير الماء بالحفاظ على الغطاء الغابوي.
الأمن الاستراتيجي.. ما وراء الأرقام
يضع البرنامج الحكومي أهدافاً في مجالات الماء والطاقة والغذاء، غير أن تحقيقها سيظل رهيناً بمدى القدرة على تحويل الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس، وضمان التنسيق بين السياسات القطاعية، واستدامة التمويل وشفافية التدبير.
وفي المقابل، يرى المهدي لحلو أن الأرقام المعلنة امتداد لتوجهات سابقة، وأن غياب مراجعة السياسة الفلاحية وعدم الربط بين الماء والغطاء الغابوي وحماية الموارد من التلوث يجعل الحديث عن تحول في السياسة المائية أمراً سابقاً لأوانه.
ويبقى السؤال المطروح كيف يمكن تحويل الأهداف المعلنة بشأن الأمن المائي والطاقي والغذائي إلى نتائج ملموسة، في ظل استمرار الضغط على الموارد الطبيعية؟
بالنسبة إلى لحلو، لا يكفي الإعلان عن أرقام جديدة أو إعادة تأكيد أهداف سابقة، ما لم يصاحب ذلك تغيير واضح في السياسة المائية وربطها بالسياسة الفلاحية والبيئية، بما يستجيب للتحديات التي يفرضها الإجهاد المائي بالمغرب.





