
أنوزلا والبكاري في مرمى رد المهدوي
دافع الصحافي حميد المهدوي عن الحوار الذي أجراه مع الكوميسير السابق محمود عرشان، ردا على الانتقادات التي وجهها إليه الصحافي والكاتب علي أنوزلا، والناشط الحقوقي والسياسي خالد البكاري، معتبرا أن ما صدَر عنهما ينطوي على تسرع في تقييم عمله الصحافي، ويمس بطريقة إدارته للحوار ومدى تحريه الدقة والتمحيص في تناول القضايا التي أثارها ضيفه.
المهدوي: أشعر بشيء من الحرج في مناقشة الرجلين علنا
وأكد المهداوي، في تسجيل مرئي خصصه للرد على الانتقادات، أنه لا يشكك في استقلالية أنوزلا والبكاري ولا في نزاهتهما، مشددا على الاحترام الذي يكنه لهما، قبل أن يستدرك بأن بعض ما أُثير بشأن الحوار خرج إلى العلن وأصبح يستدعي الرد والتوضيح، بالنظر إلى ما اعتبره مساسا بجوهر عمله المهني.
وأوضح المهدوي أنه يشعر بشيء من الحرج في مناقشة الرجلين علنا، بالنظر إلى مكانتهما لديه، ولا سيما علي أنوزلا، الذي سبق أن اشتغل معه ويقول إنه يعرف معدنه.
غير أنه اعتبر أن طبيعة الانتقادات الموجهة إليه، خصوصا من طرف أنوزلا، قدمت، بحسب تعبيره، فرصة للمتربصين به لمهاجمته بالسب والقذف والتشهير.
اقرأ أيضا…
وأضاف أن خطورة بعض تلك الانتقادات تكمن في أنها رسمت صورة عنه كما لو أنه لم يتحر الدقة، ولم يبحث في الموضوع، أو ترك ضيفه يتحدث دون مساءلة أو تمحيص، وهو ما رفضه، مؤكدا أن الحوار لم يكن ارتجاليا، بل خضع للإعداد والبحث، وتضمن أسئلة متعددة المستويات.
المهداوي: لا أبرئ عرشان ولا أدينه
وفي سياق توضيح خلفيات الحوار وأهدافه، شدد المهدوي على أنه لا يتبنى رواية محمود عرشان بصورة مسبقة، كما أنه لا يصدر حكما مسبقا بإدانته أو تبرئته، قائلا إنه مطوق فقط بالبحث عن الحقيقة.
وأكد أن استضافة شخصيات من مراحل مختلفة من التاريخ السياسي والأمني المغربي تندرج ضمن حق العمل الصحافي في مساءلة الفاعلين والاستماع إلى رواياتهم، بما في ذلك الأشخاص الذين تحيط بهم اتهامات أو ترتبط أسماؤهم بملفات مثيرة للجدل.
واعتبر أن الصحافي ليس مطالبا بالانتصار لحقيقة جاهزة أو تبني موقف مسبق من ضيفه، بل يتعين عليه فتح المجال أمام عرض الروايات، ومناقشتها، والتحقق من مضامينها، واستكمال البحث بشأن ما تتضمنه من معطيات وشهادات.
وفي هذا الإطار، دافع المهداوي عن حق عرشان في عرض روايته، مؤكدا أن الاستماع إلى الضيف لا يعني تبني أقواله، وأن ما يورده خلال الحوار يمكن أن يشكل مدخلا إلى تحقيقات واستقصاءات صحافية لاحقة.
سجال مع البكاري بشأن حرفية الأسئلة
وفي رده على خالد البكاري، عرض المهداوي مقاطع من الحوار مع محمود عرشان، بهدف إبراز ما اعتبره حرفية في إعداد الأسئلة ومناقشة الأجوبة، نافيا أن يكون قد اكتفى بمنح ضيفه مساحة مفتوحة للكلام دون مساءلة أو تدقيق.
واستحضر، في هذا السياق، الأسئلة التي وجهها إلى عرشان بشأن الحركة الوطنية وعودة الملك محمد الخامس، مشيرا إلى أنه عمل على تفكيك بعض الروايات التاريخية ومناقشتها، مستحضرا كذلك شهادة أحمد البخاري بشأن المنصوري، في إطار ما وصفه بتوظيف المعطيات والشهادات التاريخية لفتح النقاش والتحقق من الوقائع.
وأكد المهداوي أن طبيعة الأسئلة التي طرحها جمعت بين الأبعاد التوثيقية والإخبارية والاستقصائية، وأن الحوار تضمن نقاشا وأخذا وردا بين المحاور والضيف، بما ينفي، بحسب دفاعه، اختزال العمل الصحافي في مجرد نقل تصريحات عرشان دون مساءلتها.
وانتقد المهداوي، في هذا السياق، ما اعتبره مقاربة تقوم على إصدار أحكام جاهزة بشأن أداء الصحافي، مشيرا إلى أن لغة «عطيتو بلانتي» أو التعامل مع الحوار بمنطق منح ضيفه فرصة لإدانة نفسه لا تصلح، في نظره، معيارا للعمل الصحافي، الذي ينبغي أن يقوم على البحث والتدقيق والتحقق، لا على استباق النتائج.
أنوزلا ظلمَني وصوّر الحوار كأنه بلا مساءلة
أما في رده على علي أنوزلا، فاعتبر المهدوي أن زميله ظلمه عندما قدم الحوار كما لو أن الصحافي شغّل الكاميرا وترك محمود عرشان يتحدث لمدة ساعة كاملة دون أن يقاطعه أو يناقش أجوبته أو يمحصها.
اقرأ أيضا…
وقال المهدوي إن هذا التصوير لا يعكس، بحسب رأيه، حقيقة ما جرى خلال الحوار، مستشهدا بمقاطع من التسجيل لإبراز لحظات الأخذ والرد، والأسئلة التي وجهها إلى عرشان، وطريقة مناقشة عدد من القضايا التي طرحها ضيفه.
وأضاف أن الحوار لم يقتصر على أسئلة مباشرة أو إخبارية، بل جمعت بين الاستناد للتوثيق والاستقصاء ومحاولة استجلاء خلفيات بعض الوقائع والروايات.
واعتبر أن ما أورده عرشان في أجوبته يفتح المجال أمام الصحافيين لمواصلة البحث والتحقيق، بدل الاكتفاء بإصدار أحكام نهائية على الحوار أو على ما تضمنه من تصريحات.
وفي سياق انتقاده لطريقة تناول الحوار، قال المهدوي إن أنوزلا، بحسن نية، قدمه، بحسب تعبيره، «على طبق من ذهب» لخصومه والمتربصين به، بعدما اعتبر أن الانتقادات الموجهة إليه أوحت بأنه لم يؤد واجبه المهني في مساءلة الضيف والتحقق من أجوبته.
ومع ذلك، أكد المهدوي أنه لا يشك في نزاهة أنوزلا واستقلاليته، لكنه اعتبر أن انتقاده كان متسرعا ولم يأخذ بعين الاعتبار جميع تفاصيل الحوار وطبيعة الأسئلة التي تضمنها.
رسالة جمال بنعمر.. «ملفقة ولم أكتبها»
ومن أبرز المعطيات التي كشف عنها المهدوي في التسجيل، توضيحه أنه اتصل بالدبلوماسي والمعتقل السياسي السابق جمال بنعمر، للاستفسار بشأن رسالة جرى تداولها ونسبتها إليه، وتناولت محمود عرشان.
وبحسب رواية المهدوي، فإن بنعمر نفى أن يكون قد كتب الرسالة أو نشرها، مؤكدا أنها رسالة ملفقة لا تعود إليه.
ونقل المهداوي عنه قوله إنه يتبنى بعض ما ورد فيها، لكنه لا يتبنى مضامين أخرى، كما أكد، وفق المصدر نفسه، أنه لم يسبق له أن عرف محمود عرشان.
واعتبر المهداوي أن هذه المعطيات تبرز أهمية التحقق من المعلومات وعدم التعامل مع الرسائل المنسوبة إلى الأشخاص باعتبارها صحيحة دون التأكد من مصدرها وصحة نسبتها إليهم.
ويضع هذا التوضيح مسألة الرسالة في سياق النقاش الذي أثاره الحوار مع عرشان، خصوصا أن التحقق من صحة نسبتها إلى بنعمر يقتضي التمييز بين مضمونها وبين موقف الشخص الذي نُسبت إليه. فتبني بعض ما ورد فيها، وفق رواية المهداوي، لا يعني الإقرار بكتابتها أو نشرها، ولا تبني جميع مضامينها.
«سعيد بهذا النقاش».. والجدل مدخل إلى التحقيق
ورغم حدة الرد على الانتقادات، أكد المهدوي أنه سعيد، في الوقت نفسه، بالنقاش الذي أثاره الحوار، معتبرا أن العمل الصحافي الذي لا يثير النقاش والجدل يفقد أحد أبعاده الأساسية.
وأوضح أن هذا الجدل أفضى، من بين أمور أخرى، إلى إعادة التحقق من الرسالة المنسوبة إلى جمال بنعمر، وإثارة أسئلة بشأن صحتها ومصدرها، وهو ما اعتبره دليلا على أن النقاش حول العمل الصحافي يمكن أن يقود إلى كشف معطيات جديدة وفتح مسارات للتحقيق.
وشدد على أن غايته من إجراء الحوار مع محمود عرشان لم تكن الانتصار لرواية محددة أو تقديم حقيقة جاهزة، بل الاستماع إلى ما لديه، ومساءلته بشأن تصريحاته، وفتح الباب أمام التحقق مما ورد في أجوبته.
وبهذا الرد، وضع المهداوي النقاش في صلب سؤال مهني أوسع: هل ينبغي تقييم الحوار الصحافي انطلاقا من المواقف المسبقة من الضيف، أم من طبيعة الأسئلة المطروحة، ومدى مساءلته، وما يتيحه الحوار من إمكانات للتحقق والاستقصاء؟
وإذا كان المهدوي قد دافع عن خياراته المهنية ورفض ما اعتبره أحكاما متسرعة، فإن جوهر النقاش يظل مرتبطا بمدى قدرة الحوار على مساءلة الضيف بصرامة، وتمييز الوقائع من الادعاءات، وتحويل التصريحات المثيرة للجدل إلى مادة للتحقيق والتدقيق، بعيدا عن التبرئة المسبقة أو الإدانة الجاهزة.
«دابا بريس» نشرت الرسالة مع التحفظ على صحة نسبتها إلى بنعمر
وجدير بالذكر أن جريدة «دابا بريس» كانت قد نشرت، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، الرسالة المنسوبة إلى الدبلوماسي والمعتقل السياسي السابق جمال بنعمر، مرفقة بتقديم تحريري أوضحت فيه صراحة أنها لم تتمكن من التأكد من كونه كاتبها الفعلي.
وجاء في التقديم الذي رافق النشر: «في شهادة حقوقية تستعيد ذاكرة الاعتقال السياسي والتعذيب بالمغرب، عبر رسالة نسبت إليه، ولم يتسن لنا معرفة ما إذا كان هو كاتبها فعلا، وفيها يستحضر جمال بنعمر، المعتقل السياسي السابق والدبلوماسي والمبعوث الأممي، محطات من تجربته في معتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء سنة 1976، رابطا بين جراح الماضي وأسئلة الحاضر حول المساءلة والإنصاف وعدم الإفلات من العقاب».
وبذلك، فإن نشر الرسالة على صفحات «دابا بريس» كان مصحوبا بتحفظ معلن بشأن صحة نسبتها إلى بنعمر، وهو ما يقتضي التمييز بين نشر مضمون متداول مع التنبيه إلى عدم التحقق من مصدره، وبين الجزم بأن الشخص المعني هو من كتبه.
ويأتي هذا التوضيح في سياق الجدل الذي أثاره رد الصحافي حميد المهدوي، الذي قال إنه اتصل ببنعمر، فنفى له كتابة الرسالة أو نشرها، مع تأكيده، بحسب رواية المهدوي، تبنيه بعض مضامينها دون أخرى، وتصريحه بأنه لم يسبق له أن عرف محمود عرشان.
وتعيد هذه التطورات طرح مسألة التحقق من مصادر المواد المنشورة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشهادات مرتبطة بذاكرة الاعتقال السياسي والانتهاكات الحقوقية.
كما تبرز أهمية الفصل بين مضمون الرسالة، وصحة نسبتها إلى صاحب الاسم الوارد عليها، والمسؤولية التحريرية في نشرها مع توضيح حدود التحقق المتاح.




