
أثار محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، مخاوف بشأن تداعيات المقتضيات القانونية المنظمة لتحريك الأبحاث والمتابعات القضائية في جرائم المال العام، معتبرا أن اشتراط التوصل بتقارير رسمية مشفوعة بطلب تحريك الأبحاث يطرح إشكالا يتعلق باستقلالية النيابة العامة وفعاليتها في مواجهة الفساد.
وربط الغلوسي هذه الإشكالات بما وصفه بتضييق الخناق على التبليغ عن جرائم المال العام، مقابل ما اعتبره تسارعا في متابعة الأصوات التي تفضح الفساد وتطالب بفتح تحقيقات بشأنه.
وفي تدوينة نشرها على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، سلط الغلوسي الضوء على وضعية البروفيسور رشيد شرقاب، الطبيب السابق بقسم الإنعاش والتخدير بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، معبرا عن تضامنه معه، ومحذرا من تداعيات ما وصفه بتنامي نفوذ لوبيات الفساد وتراجع إرادة محاربته.
المادة الثالثة تضع النيابة العامة أمام إشكال تحريك المتابعات
واعتبر الغلوسي أن المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية تفرض قيودا على تحريك الأبحاث والمتابعات القضائية في جرائم المال العام، موضحا أن النيابة العامة، وفق قراءته للمقتضيات القانونية، مطالبة بالتوصل بتقارير صادرة عن جهات رسمية، من قبيل وزارة الداخلية ووزارة المالية والمجلس الأعلى للحسابات، تكون مشفوعة بطلب تحريك الأبحاث القضائية.
وانتقد الغلوسي ما اعتبره نتيجة لهذه المقتضيات، والمتمثلة في جعل تحريك الأبحاث ضد بعض المسؤولين المشتبه في تورطهم في جرائم المال العام مرتبطا بمبادرة الجهات الإدارية المعنية، رغم أن هذه الجهات قد تكون موضوع شبهات أو اختلالات تستدعي البحث والتحقيق.
وقال إن النيابة العامة، التي يفترض أن تضطلع بدور أساسي في تطبيق القانون الجنائي، تجد نفسها، بحسب قراءته، في وضع يجعل تدخلها مرتبطا بتقارير وطلبات صادرة عن جهات رسمية، متسائلا عن حدود استقلالية تحريك الأبحاث عندما يتعلق الأمر بملفات الفساد المالي والإداري.
«نخبتنا مصونة».. انتقاد لتقييد التبليغ عن الفساد
وفي سياق متصل، انتقد رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام ما وصفه بمنع التبليغ القضائي عن جرائم المال العام، معتبرا أن تضييق المجال أمام الجمعيات المدنية في هذا الصدد يضعف أدوار المجتمع المدني في كشف الاختلالات والمطالبة بترتيب المسؤوليات القانونية.
واستخدم الغلوسي لغة نقدية حادة في وصف هذا الوضع، معتبرا أنه يبعث برسالة مفادها أن بعض الفئات النافذة تتمتع بحماية تحول دون مساءلتها بالكيفية المطلوبة، في وقت يفترض فيه أن يشكل التبليغ عن الفساد مدخلا أساسيا لتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأضاف أن استمرار هذه الاختلالات من شأنه تعميق فقدان الثقة في المؤسسات، خصوصا عندما يشعر المواطنون بأن مواجهة الفساد لا تتم بالصرامة نفسها التي تطبق في حق أشخاص يرفعون أصواتهم للتنديد به.
الغلوسي يحذر من استهداف المبلغين عن الفساد
وذهب الغلوسي إلى أن التعامل مع ملفات الفساد يكشف، بحسب تقديره، عن مفارقة بين المسارات القضائية المرتبطة بأصحاب النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، وتلك التي تطال المبلغين عن الاختلالات أو المنتقدين لها.
وأشار إلى أن بعض المتابعات المرتبطة بجرائم المال العام قد تستغرق سنوات طويلة، بينما يرى أن أشخاصا يفضحون الفساد يجدون أنفسهم أمام إجراءات قضائية سريعة وأحكام قاسية، معتبرا أن هذا التفاوت يثير أسئلة بشأن ضمانات العدالة وحماية المبلغين عن الفساد.
وفي هذا الإطار، شدد على أن ما وصفه بتنامي نفوذ شبكات الفساد وتراجع إرادة محاربته يجعل الأصوات المطالبة بالمحاسبة عرضة لضغوط ومخاطر، محذرا من أن يؤدي ذلك إلى نشر الخوف وإضعاف المبادرات الرامية إلى كشف الاختلالات المالية والإدارية.
قضية رشيد شرقاب في واجهة التحذير من الفساد
وتوقف الغلوسي عند حالة البروفيسور رشيد شرقاب، الطبيب السابق بقسم الإنعاش والتخدير بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، الذي قال إنه سبق أن طالب بفتح بحث معمق بشأن شبهات فساد واختلالات داخل المستشفى، وخاض، وفق تدوينته، تحركات عبر منابر ومؤسسات مختلفة من أجل إثارة هذه الملفات.
وكشف الغلوسي أنه سبق أن تحدث مطولا مع شرقاب، ونبهه إلى ما وصفه بالمخاطر المحيطة بالخوض في ملفات الفساد داخل قطاع الصحة، محذرا إياه من نفوذ اللوبيات التي قال إنها قد تسعى إلى الانتقام ممن يسلط الضوء على الاختلالات.
واعتبر أن قضية شرقاب تطرح، في نظره، سؤالا يتجاوز الوضع الفردي للطبيب إلى مدى قدرة المؤسسات على توفير الحماية اللازمة للأشخاص الذين يبلغون عن شبهات الفساد، وضمان عدم تحول المطالبة بالتحقيق والمحاسبة إلى مصدر للمخاطر المهنية أو القضائية.
دعوة إلى التحرك دفاعا عن محاربة الفساد
وختم الغلوسي تدوينته بدعوة القوى الحية والفعاليات الحقوقية والمدنية إلى التحرك بشكل واع ومسؤول لمواجهة ما وصفه بالتراجع في مجال محاربة الفساد، محذرا من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى تعميق اليأس وفقدان الثقة والأمل في إمكانية تحقيق العدالة.
وأكد تضامنه مع البروفيسور رشيد شرقاب، داعيا إلى عدم تركه معزولا في مواجهة ما اعتبره ضغوطا تستهدف الأصوات المطالبة بكشف الفساد ونهب المال العام، ومجددا دعوته إلى ضمان المحاسبة وحماية المبلغين عن الاختلالات.
وتعيد مواقف الغلوسي، وفق ما ورد في تدوينته، النقاش إلى العلاقة بين استقلالية النيابة العامة، والقيود القانونية على تحريك الأبحاث في جرائم المال العام، ودور المجتمع المدني في التبليغ عن الفساد، فضلا عن ضرورة توفير ضمانات فعلية تحول دون استهداف من يطالبون بكشف الاختلالات ومحاسبة المسؤولين عنها.





