الرئسيةسياسة

الذاكرة لا تُغتال.. تيفلت تواجه تبييض الانتهاكات

شهدت مدينة تيفلت، اليوم الأحد، وقفة احتجاجية وطنية شارك فيها عشرات الحقوقيين والسياسيين والفاعلين المدنيين القادمين من مدن مغربية مختلفة، استجابة لدعوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، من أجل المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات الجمر والرصاص، ورفض استمرار الإفلات من العقاب، على خلفية التصريحات الصادرة عن المستشار البرلماني والمسؤول الأمني والجلاد السابق بدرب م الشريف محمود عرشان.

وتأتي هذه المحطة الاحتجاجية في سياق تصاعد الغضب الحقوقي إزاء ما اعتبرته هيئات حقوقية وسياسية إساءة إلى ذاكرة الضحايا والوطنيين والمقاومين، ومحاولة للنيل من تاريخ شخصيات ساهمت في معارك التحرر والنضال الوطني. كما أعادت الوقفة إلى الواجهة النقاش حول مآل العدالة الانتقالية بالمغرب، وحدود الإنصاف الذي تحقق لضحايا الانتهاكات، في ظل استمرار المطالب بالكشف عن الحقيقة كاملة، وترتيب المسؤوليات، ووضع حد لكل أشكال التبرير أو التغطية على ماضي الانتهاكات.

ونظم الوقفة فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتيفلت، بدعم من المكتب المركزي، وبمشاركة واسعة لهيئات حقوقية وسياسية، في مقدمتها الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي والنهج الديمقراطي العمالي، إلى جانب فعاليات حقوقية ونقابية ومدنية.

العسري: نرفض إهانة الوطنيين وتزوير تاريخ المقاومة

وفي تصريح صحفي على هامش الوقفة، أوضح جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أن مشاركته تأتي استجابة لنداء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وعدد من التنظيمات السياسية والحقوقية، مؤكداً أن الأمر يتعلق بالتعبير عن رفض ما وصفه بالإهانة ومحاولات تحريف تاريخ الوطنيين والمقاومين.

واعتبر العسري أن خطورة ما وقع تتضاعف بالنظر إلى صدور التصريحات المعنية من داخل مؤسسة، وبحضور ممثل للسلطة المحلية، بما يجعل القضية، بحسب تعبيره، تتجاوز مجرد تصريحات فردية لتطرح أسئلة بشأن صون الذاكرة الوطنية واحترام رموز النضال والمقاومة.

شعارات ضد الجلادين ومطالب بإنهاء الإفلات من العقاب

وردد المحتجون شعارات قوية ضد محمود عرشان، رافعين صوره ولافتات تطالب بمساءلته ومحاسبته، ومستحضرين مسؤوليته السياسية والأمنية السابقة، فضلاً عن توليه رئاسة المجلس البلدي لتيفلت على مدى عقدين، قبل انتقال الرئاسة إلى نجله عبد الصمد عرشان.

ومن بين الشعارات التي صدحت بها حناجر المشاركين: «يا عرشان يا جبان.. الضحية لا يهان»، و«عرشان الجلاد.. وجه العار والاستبداد»، و«الشهداء في القبور.. والجلادة في القصور».

وشدد المحتجون على أن استمرار بعض المسؤولين عن الانتهاكات خارج دائرة المحاسبة يشكل مساساً بجوهر العدالة الانتقالية، ويبعث برسائل سلبية إلى الضحايا وعائلاتهم، معتبرين أن تبييض ماضي الانتهاكات أو إعادة تقديم المتورطين فيها باعتبارهم شخصيات عادية في الحياة العامة لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحقيقة والإنصاف والمساءلة القضائية.

عائلات الضحايا تجدد المطالبة بكشف مصير المختفين

وحضرت عائلات ضحايا الانتهاكات الجسيمة إلى جانب صور ذويها، في مشهد أعاد التذكير بأن ملفات سنوات الجمر والرصاص لا تزال تحمل أسئلة عالقة، وفي مقدمتها مصير ضحايا الاختفاء القسري، والحاجة إلى الكشف عن الحقيقة بشأن ظروف اختفائهم ومآلهم.

وجدد المشاركون التأكيد على أن إنصاف الضحايا لا يكتمل بمجرد الاعتراف بما تعرضوا له، بل يقتضي كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وجبر الأضرار، وصون الذاكرة الجماعية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

آيت يدر حاضر في الوقفة.. ورفض الإساءة إلى رموز المقاومة

واستحضرت الوقفة اسم وصورة المقاوم والمناضل محمد بنسعيد آيت يدر، احتجاجاً على التصريحات المنسوبة إلى نائب رئيس بلدية تيفلت، المنتمي إلى حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، والتي تضمنت اتهامات مسيئة لآيت يدر، وصلت إلى حد وصفه بالعمالة للمستعمر والخيانة.

وعبر المحتجون عن رفضهم لهذه التصريحات، معتبرين أن المساس برموز المقاومة الوطنية والنيل من تاريخهم يشكل اعتداء على الذاكرة النضالية المغربية، وعلى التضحيات التي قدمها الوطنيون في مواجهة الاستعمار.

المعتقلون السياسيون والتطبيع حاضران في شعارات المحتجين

ولم تقتصر مطالب الوقفة على ملفات الانتهاكات السابقة، بل امتدت إلى الأوضاع الحقوقية الراهنة، حيث استنكر المشاركون استمرار الاعتقال السياسي، معتبرين أن ما تشهده البلاد من متابعات واعتقالات يؤكد أن معركة صيانة الحقوق والحريات لم تنته بعد.

ورفعت مطالب بإطلاق سراح المعتقلين، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف ومعتقلو جيل زد والناشطة سعيدة العلمي، إلى جانب باقي المعتقلين على خلفية مواقفهم أو تعبيرهم عن آرائهم.

كما حضرت القضية الفلسطينية بقوة في الشعارات والرموز التي رفعها المحتجون، من خلال الكوفيات الفلسطينية، والتنديد بالجرائم الإسرائيلية، وتجديد المطالبة بإسقاط التطبيع ووقف العلاقات الرسمية مع إسرائيل.

مشاركة سياسية وحقوقية واسعة

وعرفت الوقفة تعبئة وطنية ومحلية لعدد من التنظيمات والهيئات، من بينها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وفروعها، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد، والنهج الديمقراطي العمالي، فضلاً عن مستشارين ومنتسبين إلى أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

كما شارك الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، الذي يضم عشرين هيئة حقوقية، إلى جانب فعاليات سياسية ومدنية أخرى.

وفي تصريحات متفرقة، شدد حقوقيون على رفضهم ما وصفوه بتبجح أشخاص ارتبطت أسماؤهم بمرحلة الانتهاكات، واستهتارهم بمشاعر الضحايا وعائلاتهم، مؤكدين أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن أن تمحوها سنوات الصمت أو محاولات طمس الذاكرة.

وأكد المتدخلون أن المصالحة الحقيقية لا تعني النسيان أو التسامح مع الإفلات من العقاب، بل تقتضي إعمال العدالة، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، ورد الاعتبار للضحايا، بما يضمن ألا تتحول الذاكرة الوطنية إلى مجال لإعادة إنتاج الإنكار وتبرير الانتهاكات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى