
حذر المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك، من تفاقم أزمة الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية بالمغرب، في ظل تجاوز عدد السجناء 102 ألفا، وارتفاع معدل شغل السجون إلى 158 في المائة، فيما تتجاوز النسبة 300 في المائة في بعض المؤسسات.
واعتبر التامك أن استمرار ارتفاع أعداد المعتقلين يكشف محدودية أثر الإصلاحات التشريعية التي استهدفت ترشيد العقوبات السالبة للحرية، مشدداً على أن مواجهة الأزمة لم تعد تحتمل الاكتفاء ببناء سجون جديدة أو توسيع المؤسسات القائمة، بل تستدعي مراجعة الأسباب العميقة التي تغذي تدفق المعتقلين على السجون.
وجاءت تصريحات المسؤول، خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، حيث استعرض تطور الساكنة السجنية، وحصيلة تطبيق العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبات، إلى جانب الإكراهات التي تواجه تدبير المؤسسات السجنية.
أزيد من 102 ألف معتقل.. والسجون تحت ضغط غير مسبوق
الأرقام التي عرضها التامك تعكس حجم الأزمة؛ فقد بلغ عدد السجناء 102 ألفاً و941 شخصاً مع نهاية أكتوبر 2026، مقابل 98 ألفاً و692 خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بزيادة قدرها 4249 سجيناً، ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 4.3 في المائة.
ويأتي هذا التطور امتداداً لمنحى تصاعدي مستمر في أعداد المعتقلين، بمعدلات نمو تصل في بعض السنوات إلى 5 في المائة، الأمر الذي جعل الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية عاجزة عن مواكبة الارتفاع المتواصل للساكنة السجنية.
وبلغ معدل الاكتظاظ، وفق المعطيات المقدمة، 158 في المائة على المستوى الوطني، بينما تخطت النسبة 300 في المائة داخل بعض المؤسسات، التي أصبحت تستقبل ثلاثة أضعاف الأعداد التي صممت لاستيعابها.
ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على ضيق فضاءات الإيواء، بل تمتد إلى الأمن والتغذية والرعاية الصحية، فضلاً عن الضغط المتزايد على التجهيزات والموارد البشرية وميزانية التدبير، وهو ما يضعف قدرة المندوبية على تحسين ظروف الاعتقال وتطوير برامج التأهيل وإعادة الإدماج.
المغرب يسجل معدل اعتقال أعلى من دول أوروبية ومغاربية
ومن المؤشرات التي توقف عندها التامك، ارتفاع معدل الاعتقال بالمغرب مقارنة بعدد من الدول المغاربية والأوروبية.
فبحسب الأرقام التي قدمها أمام البرلمانيين، يصل المعدل في المغرب إلى 280 سجيناً لكل 100 ألف نسمة، مقابل 267 في تونس و217 في الجزائر و57 في موريتانيا. أما في أوروبا، فيبلغ المعدل 121 في إسبانيا و129 في فرنسا.
وتعيد هذه المقارنة إلى الواجهة النقاش حول طبيعة السياسة الجنائية المعتمدة بالمغرب، ومدى استمرار الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية، خاصة في ظل ارتفاع أعداد المعتقلين احتياطياً، وعدم استثمار البدائل القانونية للعقوبات الحبسية بالقدر الكافي.
وفي هذا السياق، أقر المندوب العام بأن الإصلاحات التشريعية الرامية إلى ترشيد العقوبات السالبة للحرية لم تحقق، إلى حدود الآن، النتائج المنتظرة، بالنظر إلى استمرار العوامل التي ترفع عدد الوافدين الجدد على المؤسسات السجنية.
التخفيض التلقائي للعقوبات.. آلاف المستفيدين دون تراجع الاكتظاظ
وبخصوص حصيلة التخفيض التلقائي للعقوبات، كشف التامك أن عدد الحالات المستفيدة من هذه الآلية بلغ 152 ألفاً و487 حالة إلى غاية 25 أكتوبر الماضي، وأسفرت عن الإفراج عن 12 ألفاً و547 سجيناً.
ورغم أهمية هذه الحصيلة، فإنها لم تنجح في إحداث تراجع مستدام في عدد المعتقلين، بسبب استمرار تدفق أعداد جديدة إلى السجون، بما يجعل أثر عمليات الإفراج محدوداً أمام وتيرة الاعتقالات والإيداعات الجديدة.
أما العقوبات البديلة، التي راهن عليها المشرع لتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية والحد من اللجوء إلى الحبس، فما زالت نتائج تطبيقها متواضعة للغاية.
وأوضح التامك أن عدد المستفيدين من هذه العقوبات لم يتجاوز 3408 أشخاص منذ بداية السنة إلى نهاية شتنبر الماضي، رغم أن المندوبية وجهت إلى السلطات القضائية المختصة، منذ دخول القانون حيز التنفيذ، ما مجموعه 12 ألفاً و489 طلباً ومقترحاً لاستبدال العقوبات الأصلية أو ما تبقى منها بعقوبات بديلة.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واضحة بين عدد المقترحات المقدمة وحجم الاستفادة الفعلية، خاصة أن المعطيات المعروضة لم تحدد عدد الطلبات التي حظيت بالموافقة أو الرفض، ولا الأسباب التي تحول دون تفعيل بعضها.
ودعا التامك، في هذا الإطار، إلى تجاوز الصعوبات التي أفرزتها التجربة العملية، وتوسيع انخراط المؤسسات والشركاء المعنيين، مع تطوير آليات التتبع والمراقبة والتقييم، حتى تتحول العقوبات البديلة إلى خيار فعلي وليس مجرد مقتضى قانوني محدود التطبيق.
التامك: بناء سجون جديدة ليس هو الحل
وفي تشخيصه لأسباب الأزمة، شدد المندوب العام على أن مواجهة الاكتظاظ لا ينبغي أن تختزل في زيادة عدد المؤسسات السجنية أو توسيع طاقتها الاستيعابية، لأن ذلك لن يعالج الأسباب التي تجعل أعداد المعتقلين في ارتفاع مستمر.
ودعا إلى وضع حد لهذا المنحى التصاعدي من خلال إرساء مقاربة مشتركة بين مختلف حلقات العدالة الجنائية، والقطاعات والمؤسسات المعنية بالتأهيل وإعادة الإدماج.
كما طالب بمواصلة تطوير التشريعات والممارسات القضائية المرتبطة بترشيد الاعتقال، ودراسة الإمكانيات القانونية التي تسمح بأخذ الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية بعين الاعتبار عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالإيداع، مع التأكيد على ضرورة احترام استقلالية القضاء والضمانات القانونية للمتقاضين.
وشدد المسؤول ذاته على أهمية إقرار سياسة عمومية مندمجة لإعادة تأهيل السجناء وإدماجهم في المجتمع، وجعل هذا الورش جزءاً واضحاً من البرامج الحكومية، بما يساعد على معالجة أسباب العود إلى السجن، عوض الاقتصار على تدبير تداعيات الاكتظاظ داخل المؤسسات.
أزمة السجون تكشف اختلالات منظومة العدالة الجنائية
وتكشف المعطيات التي عرضها التامك أن أزمة الاكتظاظ لم تعد شأناً تدبيرياً يخص المندوبية العامة لإدارة السجون وحدها، بالنظر إلى أن تحديد أعداد الوافدين على المؤسسات السجنية يرتبط بقرارات تتخذها جهات متعددة داخل منظومة العدالة الجنائية.
فالمندوبية تتحمل مسؤولية الإيواء والتغذية والرعاية الصحية والأمن وإعادة الإدماج، لكنها لا تتحكم في مصادر ارتفاع الساكنة السجنية، سواء تعلق الأمر بالاعتقال الاحتياطي أو بالأحكام القضائية السالبة للحرية.
كما أن استمرار ارتفاع عدد المعتقلين، رغم آليات التخفيض التلقائي للعقوبات، ومحدودية اللجوء إلى العقوبات البديلة، يطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة السياسة الجنائية ومدى قدرتها على الحد من الاعتقال غير الضروري.
وبذلك، تعيد تصريحات التامك النقاش إلى جوهر أزمة السجون بالمغرب: هل المطلوب الاستمرار في بناء مؤسسات سجنية جديدة لملاحقة الارتفاع المتواصل في أعداد المعتقلين، أم مراجعة المقاربة الجنائية التي تجعل السجن الخيار الأوسع في التعامل مع المخالفات والجرائم؟
وهو سؤال يتجاوز إمكانيات المندوبية وميزانيتها، ليضع مختلف مكونات منظومة العدالة أمام مسؤولية مشتركة في البحث عن بدائل أكثر نجاعة، تجعل الاعتقال متناسباً مع الضرورة القانونية، وتمنح التأهيل وإعادة الإدماج مكانة أساسية في فلسفة العقوبة.





