
الصين ولعبة الشطرنج الكبرى في أمريكا اللاتينية بعد أحداث فنزويلا
في الساعات الأولى من الثالث من يناير 2026، تحولت العاصمة الفنزويلية كاراكاس إلى مسرح لحدث غير مسبوق في وضوحه وصراحته منذ غزو بنما في عام 1989؛ فقد نفذت قوات أمريكية خاصة عملية عسكرية خاطفة أخرجت الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” من قلب القصر الرئاسي ونقلته إلى نيويورك للمحاكمة.
لم يكن هذا المشهد في ذاته الأكثر إثارة للقلق بقدر ما كانت الكلمات التي تلته، ففي مؤتمر صحفي، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بالإعلان عن نجاح العملية، بل أعاد إحياء مبدأ مونرو معلناً –بابتسامة لا تخلو من دلالة– أن العالم بات يتحدث اليوم عن “مبدأ دونرو”. الرسالة كانت مباشرة من الرئيس الأمريكي، وهي أن نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة، وأي تمدد لقوى خارجية مهما كان طابعه، اقتصادي أو تنموي، يُعد تهديداً للأمن القومي الأمريكي.
المصالح الاقتصادية الصينية وحدود الحماية
لم تحتاج الصين إلى وقت طويل لفهم المقصود من مصطلح “مبدأ دونرو”، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي، فقبل ساعات قليلة من العملية، كان “مادورو” يستقبل المبعوث الصيني الخاص لشؤون أمريكا اللاتينية في لقاء أكد “الشراكة الاستراتيجية” و”السعي لعالم متعدد الأقطاب”.
وفي ضوء ذلك بدا المشهد وكأن واشنطن تقول لبكين صراحة إن “ما تبنونه بالدبلوماسية والاستثمار يمكن تفكيكه بالقوة العسكرية متى اقتضت الحاجة”، على حد وصف العديد من الخبراء في الشأن الصيني.
ومن هنا، لم ينظر الكثير من المراقبين إلى ما حدث في فنزويلا بوصفه حالة “استثنائية” أو “معزولة” عن القارة اللاتينية، بل كنقطة اختبار لنموذج النفوذ الصيني بأكمله في أمريكا اللاتينية.
بنت الصين حضوراً اقتصادياً واسعاً في القارة اللاتينية
على مدى العقدين الماضيين، بنت الصين حضوراً اقتصادياً واسعاً في القارة اللاتينية حتى باتت الشريك التجاري الأول للعديد من دول أمريكا الجنوبية. ووفق بيانات عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وأمريكا اللاتينية نحو 518 مليار دولار.
وفي فنزويلا وحدها، استثمرت الصين حوالي 67 مليار دولار منذ عام 2007، معظمها في قطاع الطاقة، مع توقعات بأن تتجه نحو 90% من إجمالي صادرات النفط الفنزويلية إلى الصين في أوائل عام 2026. كما وُقِّعَت قبل أشهر من العملية الأمريكية اتفاقية صينية لتطوير حقول نفط فنزويلية جديدة بقيمة مليار دولار لمدة عشرين عاماً.
لكن هذه الاستثمارات كشفت هشاشتها السياسية، فديون فنزويلا للصين، والتي سُدِّد معظمها عبر النفط، تحولت فجأة إلى ورقة ضغط أمريكية. والسؤال الذي طرحه العديد من الخبراء الصينيين الذين تحدث معهم كاتب هذه السطور في بكين كان: هل ستسمح واشنطن باستمرار هذا النمط من السداد؟ أم ستعيد التفاوض؟ أم ستسعى لانتزاع تنازلات أوسع من الصين؟
ماذا رأت بكين فعلاً في كاراكاس؟
جاء الرد الصيني على عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي قوياً في لغته محدوداً في أفعاله، حيث أدانت بكين، في مجلس الأمن الدولي، العملية بوصفها “أحادية وتسلطية” وانتهاكاً صارخاً لسيادة الدول وميثاق الأمم المتحدة.
واستخدم الرئيس الصيني “شي جين بينغ” لغة غير معتادة في التعامل مع أزمة بدولة ثالثة محذراً من تقويض النظام الدولي، فيما أكد وزير الخارجية “وانج يي” رفض بلاده لمنطق “شرطي العالم”، دون إشارة مباشرة إلى الولايات المتحدة.
ومع ذلك، كان من الواضح تماماً لخبراء العلاقات الدولية أنه رغم العلاقة التي تصفها بكين بأنها “شراكة استراتيجية شاملة” مع فنزويلا، لم تتخذ الصين أي خطوات تصعيدية عملية؛ فلا دعم عسكري، ولا عقوبات، ولا تعطيل للمصالح الأمريكية.
ومن هنا بدا المشهد وكأنه تناقض بين الأقوال والأفعال لدى صناع القرار في بكين، لكنه في الواقع يعكس “حساباً دقيقاً للمخاطر”، وفقاً لكثير من الخبراء الذين تحدثت معهم.
رأت الصين في كاراكاس ما هو أبعد من تغيير نظام. رأت إعلاناً صريحاً عن عودة منطق الهيمنة الإقليمية واستدعاء عقيدة قديمة بصيغة جديدة؛ فـ”المونروية الجديدة”، كما يسميها الباحثون الصينيون، تعني استبعاد “المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي”، وهو توصيف ترى فيه بكين استهدافاً مباشراً لها.
الأخطر من ذلك، وفقا لهؤلاء، أن العملية نسفت افتراضاً استقر في الحسابات الصينية منذ عقود، وهو أن زمن التدخلات العسكرية الأمريكية المباشرة في أمريكا اللاتينية قد انتهى أو على الأقل أصبح مكلف سياسياً. فنزويلا أثبتت أن هذا الافتراض كان قائماً على ضبط النفس الأمريكي لا على قاعدة قانونية ثابتة.
وفي هذا السياق، نظر الصينيون إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي بأنه “صدمة استراتيجية” بثلاث رسائل قاسية، وهي:
1 – أن الاستثمارات والعقود الدولية مهما بلغت قيمتها يمكن أن تتبخر أمام قرار أمريكي أحادي.
2 – أن مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، أحد أعمدة الدبلوماسية الصينية، يواجه اختباراً وجودياً.
3 – أن واشنطن لم تَعُد تكتفِ بمنافسة الصين في آسيا، بل نقلت الصراع إلى ما تعتبره بكين “ساحات تنمية” وتراه واشنطن “ساحات نفوذ”.
في ضوء هذه الرسائل الثلاث، تجد الصين نفسها اليوم في مأزق استراتيجي عميق.
فمن ناحية، تاريخها الحديث المليء بما تسميه “قرن الإذلال” على يد القوى الغربية يدفعها لاتخاذ موقف مبدئي حازم ضد أي انتهاك للسيادة.
ومن ناحية أخرى، مصالحها الاقتصادية الضخمة والشبكة المعقدة من العلاقات التي نسجتها مع إدارة ترامب نفسها (بما في ذلك اتفاقيات التجارة المبرمة مع إدارة ترامب في أكتوبر ونوفمبر 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية وعلقت ضوابط تصدير العناصر الأرضية النادرة والتزمت بشراء المنتجات الزراعية) تفرض عليها براغماتية صارمة.
وفي ضوء هذا المأزق، جاء رد بكين: صوت عالٍ وحركة حذرة. وهذا الرد لم يكن “ضعفاً”، وإنما “حساب دقيق للمخاطر”، من وجهة نظر الخبراء الصينيين، حيث تعرف بكين أن بحر الصين الجنوبي أقرب إليها من بحر الكاريبي، وأن تايوان أهم بكثير من فنزويلا في حساباتها القومية.
تايوان.. الحاضر الغائب
في الحقيقة، لا يمكن فهم رد الفعل الصيني دون وضع قضية تايوان في قلب الصورة. لقد أدركت بكين أن ما حدث في فنزويلا قد يصبح سابقة؛ فإذا سمح المجتمع الدولي لواشنطن بفرض حصار بحري على ميناء فنزويلي وتغيير نظام حكمها بالقوة بحجة “مبدأ دونرو”، فما الذي يمنع بكين مستقبلاً من تبرير إجراءات مماثلة حول تايوان التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها؟
في هذا السياق، يشير بعض المحللين في واشنطن إلى أن الصين سوف تستفيد من “سابقة” فنزويلا، معتبرين أن ما حدث في كاراكاس يعيد تأكيد حقيقة قديمة مفادها أن القانون الدولي في النهاية هو انعكاس لموازين القوى وليس العكس. ويحذر هؤلاء أيضاً من أن تكتيكات الحصار الأمريكية ضد فنزويلا ستشكل دروساً للصين لفرض إجراءات قسرية مماثلة ضد تايوان، مشيرين إلى أن المناورات العسكرية الصينية، التي أُجرِيَت في ديسمبر 2025 تحت مسمى “مهمة العدالة 2025″، قامت بمحاكاة حصار أكبر ميناءين في تايوان، وهو السيناريو نفسه الذي نفذته الولايات المتحدة في فنزويلا.
ومما يزيد من خطورة المشهد أن واشنطن وافقت في ديسمبر 2025 على صفقة أسلحة كبيرة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، لكنها في الوقت نفسه خففت من أهمية المناورات الصينية حولها، مفضلة إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاهمات التجارية مع بكين.
أمريكا اللاتينية… لعبة الشطرنج الكبرى
إعلان “مبدأ دونرو” يضع بكين أمام معضلة كبرى، خاصة وأن دخول العملاق الصيني إلى القارة اللاتينية كان مبنياً على ثلاث ركائز أساسية، وهي:
1 – الاستثمار في المناطق المهمشة في القارة، حيث ذهبت الاستثمارات الصينية في الأساس إلى دول مثل فنزويلا والإكوادور وبوليفيا، وهي الدول التي كانت تعاني من إهمال واشنطن والمستثمرين الغربيين، فقدمت بكين نفسها كشريك دون شروط سياسية.
2 – بناء البنية التحتية، فمن قناة في نيكاراجوا إلى سكك حديدية عبر الإنديز، حاولت بكين ربط القارة بمشروعها الطموح “الحزام والطريق”، معطية الأولوية للإسمنت والفولاذ على الدعاية والأيديولوجيا.
3 – التعامل مع جميع الأطراف، فبينما كانت علاقات الصين أوثق مع الحكومات اليسارية، احتفظت أيضاً بعلاقات تجارية قوية مع القوى المحافظة في البرازيل والأرجنتين وكولومبيا.
والآن، مع إعلان “مبدأ دونرو”، تجد بكين نفسها أمام اختبار مرير، يتطلب الاجابة على تساؤلات صعبة، منها: هل تقبل بكين الانسحاب من “الفناء الخلفي” لواشنطن؟ أم أنها سوف تَستخدِم وجودها الاقتصادي والتجاري القوي في القارة لتعزيز مكانتها في ظل التنافس مع واشنطن؟
سيناريوهات المستقبل
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية، في ضوء ردود الفعل الصينية، سواءً الرسمية أو غير الرسمية، للإجابة على هذه التساؤلات:
1 – سيناريو الانسحاب الصيني وتعزيز الهيمنة الأمريكية، وهو السيناريو الذي تسعى واشنطن لتحقيقه عبر “مبدأ دونرو”، وفيه ستنجح الولايات المتحدة، عبر مزيج من الإغراء الاقتصادي والترهيب الأمني، في إعادة تجميع عدد من الدول حول تحالفها، خاصة ذات الحكومات اليمينية أو المحافظة. وهنا لن تجد بكين مفراً سوى التراجع وتقليص وجودها في العديد من دول القارة اللاتينية، حتى لا تستفز واشنطن، وبالتالي تتدحرج الأمور إلى التصعيد بين الجانبين.
2 – سيناريو البقاء في القارة اللاتينية بالاعتماد على المقاومة وتعميق التعددية، وهو السيناريو المفضل للصين، وفيه يثير النهج الأمريكي الصريح رد فعل معاكس في القارة التي تعاني من تاريخ طويل مع التدخل الأمريكي، وتسعى شعوب وحكومات أمريكا اللاتينية إلى تنويع تحالفاتها لتعظيم مساحة المناورة والسيادة، مما سيكون انتصاراً غير مباشر للنموذج الصيني القائم على “عدم التدخل” والشراكات الاقتصادية. وسوف يعتمد نجاح هذا السيناريو على قدرة الصين على تقديم نفسها كشريك موثوق وليس قوة مهيمنة بديلة.
3 – سيناريو “الفوضى الخلاقة” والمنافسة المحدودة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط، وفيه ستستمر المنافسة بين بكين وواشنطن في القارة اللاتينية دون أن تسيطر أي قوة على المشهد بالكامل، وستواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي في المجالات الاقتصادية والاستثمارية التي تتفوق فيها، بينما تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها الأمني والعسكري التقليدي وتأثيرها الثقافي، لتتحول أمريكا اللاتينية إلى ساحة اختبار لنماذج التنافس بين القوى العظمى (القوة الناعمة والاقتصاد مقابل القوة الصلبة والتحالفات الأمنية والعسكرية)، مع فترات متبادلة من التوتر والاستقرار النسبي، مع استمرار الدول في اللعب على التنافس لتعظيم مصالحها.
بين درس الماضي وسؤال المستقبل
في بداية القرن العشرين، أرسل الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت “الأسطول الأبيض العظيم” في جولة حول العالم ليعلن عن ولادة قوة عظمى جديدة. واليوم، ترسل إدارة الرئيس ترامب “قوات خاصة” إلى فنزويلا لتؤكد أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى الأولى.
أما الصين، فتواجه الآن امتحاناً لم يتدرب عليه جنرالاتها في مقرات الحزب الشيوعي الصيني أو دبلوماسيوها القدماء، وهو امتحان في كيفية حماية مصالح إمبراطورية تجارية ممتدة في عالم لا يزال يحترم لغة القوة العسكرية المباشرة.
وهنا يثار السؤال الأعمق، وهو: أي عالم تريد الصين أن تبنيه؟ هل هو عالم تحل فيه عقود الاستثمار والتبادل التجاري محل التحالفات العسكرية؟ أم أن بكين ستكتشف، كما اكتشفت قوى عظمى قبلها، أن حماية التجارة تحتاج في النهاية إلى أساطيل وحاملات طائرات وقواعد عسكرية، وأن حماية المصالح تحتاج إلى استعداد لاستخدام القوة؟
في كاراكاس، خطت واشنطن خطوة إلى الوراء نحو ماضيها الإمبراطوري، وفي بكين تدرس القيادة خطوة إلى الأمام في مستقبلها العالمي، وبين الماضي والمستقبل تقف أمريكا اللاتينية، بثرواتها وتاريخها وشعوبها، شاهدة وحاكم في الوقت نفسه على “تاريخ يعود في ثوب جديد”.
المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة





