
حين تُخنق المحاماة يصمت القضاء
من خانكم مرة، سيبقى خائنًا إلى الأبد، لأن الخيانة عنده ليست خطأً عابرًا، بل وجهة نظر.
بقلم: بوحسون بلقاسم
المتأمل في مشروع القانون رقم 23-66 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، لا يمكنه فصله عن السياق التشريعي العام الذي وسم هذه الولاية الحكومية–البرلمانية، حيث توالت مشاريع القوانين المسحوبة والمؤجلة والمفروضة بمنطق السرعة والطبخ في الظل، من قانون الإثراء غير المشروع، إلى مشروع “تكميم الأفواه” 20.22، وقانون الإضراب، والمسطرة المدنية، وقانون الصحافة، وصولًا إلى تجريم التشكيك في الانتخابات… وما خفي أعظم.
نحن أمام سلوك تشريعي ممنهج، لا يقوم على التشاركية ولا على النقاش العمومي، بل على الضرب المتدرج للحريات الأساسية، وإعادة هندسة قواعد إدارة الشأن العام، في اتجاه يُفرغ المؤسسات من مضمونها، ويُعيد ترتيب موازين القوة لصالح منطق التحكم. وفي هذا الإطار، لا يبدو مشروع قانون المحاماة استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة.
الخطير في مشروع 23-66 ليس فقط مضامينه، بل الطريقة التي أُعد بها: تغييب تام لأصحاب الشأن، تواطؤ مفضوح على السرية، وحرص على تمرير نص يمس جوهر مهنة الدفاع، من خلال تشذيب حقوق الدفاع، وتقويض حصانة المحامي، وضرب استقلالية المهنة، وكأن الأمر يتعلق بتفصيل إداري ثانوي لا بأحد أعمدة العدالة.
هذا السلوك يعكس إرادة سياسية صريحة لتشكيل وعي شعبي يائس من نُخبه القانونية، ومرتهن لفكرة “الاستقرار” القائم على الخوف والردع، لا على الثقة والعدالة. غير أن من يتوهم أن المجتمعات تُدار بالخوف وحده، ينسى أن رد فعل الضعيف غالبًا ما يكون عنيفًا، وأن الاحتجاجات المتتالية ليست سوى إنذارات مبكرة للأسوأ.
المحاماة ليست مهنة حرة بالمعنى التقني فقط، بل جزء عضوي من مرفق القضاء، أحد الأعمدة الثلاثة للنظام السياسي. إنها بمثابة مكبس داخل محرك العدالة، يحتاج إلى توازن دقيق، لا إلى كسر أو تعطيل. وكل محاولة لإخضاعها لمنطق التبعية، إنما تعني اختلالًا بنيويًا في منظومة العدالة برمتها.
ما يُراد اليوم هو وضع المحامي بين فكي كماشة السلطة القضائية، عبر تقليص أدوار الهيئات المهنية، وسحب اختصاصاتها في التأديب والتكوين والولوج إلى المهنة، وحرمانها من الإسهام في مراقبة جودة الأحكام، ليجد المحامي نفسه وحيدًا، خاضعًا للرقابة الذاتية، مهددًا بسيف مسلط فوق رأسه، في ظل مناخ يُدار أحيانًا بـ“كلمة صغيرة” خارج القانون.
وهنا لا يتعلق الأمر، كما يُروَّج، بالأوضاع المادية للمحامين، ولا بـ”خبزهم اليومي”، بل بتنظيم مرفق القضاء في علاقته بباقي المرافق الإدارية والأمنية، وبالسؤال الجوهري هل نريد محاماة مستقلة تزعج السلطة، أم محاماة منضبطة داخل السرب؟
حقوق الدفاع، وحصانة المحامي، واستقلال المهنة، ليست امتيازات قابلة للتفاوض أو المساومة، بل قواعد دولية أصيلة، تشكل العمود الفقري للمحاماة، ولولا هذه القيم لما جُرّمت أفعال معينة على المحامي دون غيره، ولما استُبعدت المحاماة أصلًا من خانة الأنشطة التجارية أو الوظيفية الخاضعة للتبعية.
منذ أن غادرت المحاماة قصور الأباطرة وخرجت إلى مواجهة الطغيان عبر التاريخ، وهي تدفع ثمن استقلالها، واليوم، في مغرب الألفينات، يُراد لها أن تُفرغ من رمزيتها، وأن يُستبدل سواد بذلتها، رمز الوقار والهيبة، بألوان التدجين والتطبيع مع الرداءة.
ورغم ذلك، ستبقى المحاماة مهنة الحوار واللاعنف، مهنة العقل والعلنية، تأبى العمل في السراديب، وتكره الصفقات الهاتفية و”الرسائل الصغيرة”، وتنتفض ولو بمحامٍ واحد، كما فعل المحامي التونسي الذي صرخ وحيدا في الشارع “بن علي هرب” صرخة صنعت التاريخ، وفضحت الطغاة.
المحاماة مدرسة للكرامة، أنجبت قادة ورؤساء دول، وكانت دائمًا في صف الحرية، فكيف يُطلب من المحامي المغربي اليوم أن يقبل الذل، إلا إذا خان رسالته؟
لهذا، ليس الإضراب ترفا، ولا مغامرة، بل فعل دفاع أخير عن ما تبقى من معنى العدالة.
إضراب شامل… حتى سحب مشروع الذل.





