اقتصادالرئسية

خلل وكالة “أنابيك” أم فشل سياسة؟

 أعاد يونس السكوري،  ملف التشغيل إلى واجهة النقاش العمومي، بعد اعترافه بأن الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات تعجز سنوياً عن تلبية أزيد من 100 ألف منصب شغل تطلبها المقاولات. تصريح يكشف، بلغة الأرقام، عن فجوة عميقة بين العرض والطلب، لكنه يفتح في الآن ذاته باباً أعرض حول مسؤولية الحكومة السياسية في تدبير هذا القطاع الحساس.

وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري
وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري

الوزير تحدث عن إدماج سنوي يقارب 130 ألف مستفيد، مع رفع الرقم إلى 150 ألفاً هذه السنة، ثم إلى 200 ألف لاحقاً، قبل أن يؤكد أن أكثر من 100 ألف فرصة شغل تبقى دون تلبية كل عام بسبب ضعف أداء الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات المعروفة اختصاراً بـ“أنابيك”.

أرقام تبدو متجاورة زمنياً لكنها متباعدة منطقياً، ما يعكس صورة مرتبكة عن حصيلة منظومة التشغيل.

أرقام متضاربة… ومنظومة بلا انسجام

إذا كانت “أنابيك” تدمج 130 ألف مستفيد سنوياً، فكيف تبقى في المقابل 100 ألف فرصة شغل دون تلبية؟
هل المشكل في محدودية الوساطة؟
أم في ضعف ملاءمة الكفاءات مع حاجيات السوق؟
أم أن الأمر يتعلق ببنية اقتصادية غير قادرة أصلاً على خلق مناصب قارة ومستدامة؟

المفارقة أن الحكومة كانت قد سوقت لوعد إحداث مليون ونصف منصب شغل خلال أربع سنوات، وهو ما لم يتحقق وفق المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، التي تؤكد استمرار معدلات بطالة مرتفعة، خصوصاً في صفوف الشباب والنساء، مع اتساع الفجوة بين التكوين وسوق الشغل.

هل “أنابيك” كبش فداء؟

تصريح السكوري جاء بعد أشهر من إعفاء المديرة السابقة لـ”نابيك”، في قرار أثار انتقادات نقابية اعتبرت أن الإعفاء تم خارج الإطار القانوني.
السؤال هنا هل تحميل الوكالة مسؤولية الإخفاق يعفي الحكومة من المساءلة السياسية؟

الوكالة، من الناحية المؤسساتية، جهاز تنفيذي يشتغل ضمن التوجهات العامة التي ترسمها الحكومة. وبالتالي فإن أي اختلال في الوساطة أو في برامج الإدماج لا يمكن فصله عن السياسات العمومية في التعليم والتكوين المهني والاستثمار والتحفيز الجبائي.

التعليم والتكوين… الحلقة الأضعف؟

جزء كبير من الإشكال يرتبط بملاءمة التكوين مع حاجيات النسيج الاقتصادي.
المقاولات تشتكي من نقص الكفاءات التقنية المتخصصة، فيما الجامعات ومعاهد التكوين تضخ سنوياً آلاف الخريجين في تخصصات مشبعة.
هذا الاختلال البنيوي يجعل “أنابيك” في موقع الوسيط بين عرض غير مطابق وطلب غير ملبى.

كما أن ضعف جاذبية الاستثمار في بعض القطاعات، وغياب تحفيز فعلي للمقاولات الصغرى والمتوسطة، يحد من قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص شغل مستدامة، ما يجعل أرقام الإدماج ظرفية أكثر منها هيكلية.

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أرقام

تصريح الوزير لم يثر الجدل فقط بسبب الرقم، بل بسبب الرسالة السياسية التي حملها:
حين تعترف وزارة الوصاية بعجز مؤسستها التنفيذية عن تلبية 100 ألف فرصة شغل سنوياً، فإن ذلك يعكس أزمة ثقة في المنظومة ككل.

المطلوب اليوم ليس فقط إعادة هيكلة “أنابيك”، بل مراجعة شاملة لمنظومة التشغيل، تبدأ بربط التكوين بحاجيات السوق، مروراً بتحفيز الاستثمار المنتج، وصولاً إلى تقييم حقيقي لوعود الحكومة الانتخابية.

في المحصلة، قد تكون “أنابيك” جزء من المشكل، لكن تحميلها كامل المسؤولية يختزل أزمة أعمق ترتبط بنموذج اقتصادي لم ينجح بعد في تحويل النمو إلى فرص شغل كافية ولائقة.

والسؤال الذي يبقى معلق هل نحن أمام خلل تقني في وكالة، أم أمام فشل سياسي في تدبير ملف التشغيل برمته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى