
الأرقام تكشف مفارقة صارخة: كلما خرجت النساء من دائرة الكوطا، ضاقت أمامهن مساحة المنافسة الفعلية.
تقدم انتخابات 23 شتنبر 2026 صورة تبدو، في ظاهرها، مشجعة للحضور النسائي: 2658 امرأة يخضن السباق الانتخابي، منهن 1783 مرشحة في الدوائر الجهوية المخصصة للنساء، و875 في الدوائر المحلية.
لكن هذه الأرقام، إذا أُخرجت من سياقها الاحتفالي ووُضعت تحت مجهر المنافسة السياسية الفعلية، تكشف مفارقة أكثر تعقيداً: النساء حاضرات بكثرة في الانتخابات، لكنهن أقل حضوراً حين يتعلق الأمر بالمواقع التي تفتح الطريق إلى الفوز والقرار.
فمن أصل 1615 لائحة محلية، لا تتصدر النساء سوى 121 لائحة، أي حوالي 7.5 في المائة. وهذا يعني أن الصورة تتغير جذرياً عندما تغادر المرأة المقاعد التي تضمنها آليات التمييز الإيجابي، وتدخل إلى ساحة المنافسة المفتوحة التي يفترض أن تكون فيها فرص النساء والرجال متقاربة.
حين تنتهي الكوطا تبدأ المشكلة
لم تكن الكوطا في الأصل سوى وسيلة لمعالجة اختلال تاريخي في التمثيلية السياسية للنساء. غير أن انتخابات 2026 تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل أصبحت هذه الآلية جسراً نحو المناصفة، أم أنها تحولت إلى المساحة التي يتوقف عندها طموح الأحزاب في تمكين النساء؟
فالنساء اللواتي يدخلن البرلمان عبر الدوائر الجهوية لا يواجهن الشروط نفسها التي تواجهها المرشحات في الدوائر المحلية. هنا تبدأ المنافسة الحقيقية على المواقع الانتخابية، وهنا أيضاً تظهر قوة التنظيم الحزبي، والموارد المالية، والشبكات الانتخابية، وموقع المرشح داخل حسابات الحزب.
والأرقام لا تحتاج إلى كثير من التأويل: في انتخابات 2021، ترأست النساء 97 لائحة محلية فقط، ولم تتمكن سوى ست مرشحات منهن من الظفر بمقاعد برلمانية.
المشكلة، إذن، ليست في أن النساء لا يترشحن، بل في المواقع التي يمنحنها داخل السباق الانتخابي.
المساواة الدستورية تصطدم بالواقع الحزبي
ينص الفصل 19 من دستور 2011 على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات، وعلى سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة.
لكن بعد خمسة عشر عاماً تقريباً، لا تزال المسافة بين النص والممارسة واسعة.
فالتمثيلية النسائية في مجلس النواب لم تتجاوز، وفق المعطيات المتداولة في الحركة النسائية، حوالي 24.8 في المائة، أي أقل بكثير من المناصفة، بل حتى دون عتبة الثلث.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت المناصفة هدفاً دستورياً، فلماذا لا تنعكس هذه الإرادة بالسرعة نفسها داخل الأحزاب وفي اختيار المرشحين والمرشحات؟
فالانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل المكاتب الحزبية، حيث تُوزع التزكيات، وتُرتب اللوائح، ويُقرر من يقود ومن يأتي في الصفوف الخلفية.
الأحزاب أمام مرآة النساء
الجمعيات والحركات النسائية تضع جزءاً مهماً من المسؤولية على عاتق الأحزاب السياسية.
فالجمعية الديمقراطية لنساء المغرب رصدت، في مواكبتها للاستحقاق الانتخابي، استمرار اختلالات في ولوج النساء إلى مواقع القرار، ولا سيما في الدوائر المحلية، إلى جانب محدودية حضور النساء في عدد من الفضاءات الأساسية للحملات الانتخابية.
أما فدرالية رابطة حقوق النساء ومركز الإعلام والرصد للنساء المغربيات، فقد اختارا مساءلة البرامج الانتخابية للأحزاب حول مدى التزامها بقضايا المساواة والمناصفة، دون تحويل البارومتر إلى ترتيب للأحزاب.
وتضع الهيئات النسائية أيضاً مسألة العنف السياسي والرقمي والانتخابي في قلب النقاش، باعتباره أحد العوامل التي يمكن أن تجعل المشاركة السياسية للنساء أكثر كلفة، خصوصاً عندما تنتقل المرأة من مجرد المشاركة إلى المنافسة على مواقع النفوذ.
كما سبق للفدرالية أن دعت إلى آليات انتخابية أكثر وضوحاً، من بينها لوائح مختلطة تضمن تداول المواقع بين النساء والرجال، حتى لا تبقى المناصفة مجرد مبدأ دستوري يصعب تحويله إلى ممارسة.
العدد لا يكفي
ربما يكون أكبر فخ في قراءة الانتخابات هو الاكتفاء بعدّ النساء المرشحات.
فالرقم قد يرتفع، بينما يظل ميزان القوة على حاله.
امرأة في ذيل لائحة انتخابية ليست كامرأة تتصدرها. وامرأة تدخل البرلمان عبر مقعد مضمون ليست كامرأة تخوض المنافسة في دائرة مفتوحة. وارتفاع عدد المرشحات لا يعني بالضرورة ارتفاع قدرتهن على الوصول إلى مواقع القرار.
لهذا تبدو مسألة ترتيب المرشحات داخل اللوائح، وفرص الفوز المتاحة لهن، وحجم الموارد التي تخصصها الأحزاب لحملاتهن، وموقعهن داخل الهياكل القيادية أكثر دلالة من مجرد عدد النساء المسجلات في السباق.
الكوطا ليست المشكلة.. أن تصبح سقفاً هو المشكلة
لا تكمن الإشكالية في وجود آليات التمييز الإيجابي بحد ذاتها، فقد لعبت دوراً في رفع التمثيلية النسائية. الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الآليات من جسر مؤقت نحو المساواة إلى بديل عن المساواة نفسها.
انتخابات 2026 تضع هذه المفارقة أمام الأحزاب والمشرّع والحركة النسائية معاً: كيف يمكن الانتقال من امرأة تحتاج إلى مقعد مضمون كي تصل إلى البرلمان، إلى امرأة تستطيع أن تنافس على المقعد نفسه بشروط متقاربة مع الرجل؟
فبعد أكثر من عقد على دستور 2011، لا يتعلق الأمر فقط بإدخال مزيد من النساء إلى المؤسسات المنتخبة، وإنما بتغيير قواعد اللعبة التي تحدد من يصل إلى مواقع القرار وكيف يصل إليها.
والخلاصة التي تفرضها أرقام هذه الانتخابات بسيطة وقاسية في آن واحد: المرأة المغربية لم تعد غائبة عن الانتخابات، لكنها لا تزال بعيدة عن المساواة في قلب المنافسة الانتخابية. وبين الحضور والمشاركة من جهة، وتقاسم السلطة من جهة أخرى، ما يزال الطريق طويلاً.





