اقتصادالرئسية

«لارام».. الصعود الذي يحتاج تفسيراً

«لارام» والمركز 58..

تبدو الأرقام أحياناً أكثر لمعاناً من الحقيقة، هكذا احتفلت الخطوط الملكية المغربية «لارام» بصعودها 12 مرتبة في تصنيف «سكاي تراكس» لسنة 2026، لتحتل المركز 58 عالمياً، لكن الرقم يحتاج إلى شيء من الأكسجين قبل أن يتحول إلى «إنجاز تاريخي»: ففي 2024 كانت الشركة في المركز 55، قبل أن تهوي إلى المرتبة 70 سنة 2025، أي أن الصعود الحالي، رغم كونه تحسناً، يستعيد جزءاً كبيراً من تراجع سابق، ولا يعيد الناقل الوطني حتى الآن إلى موقعه قبل عامين.

12 مرتبة.. والامتحان خارج جدول التصنيف

لا يعني ذلك التقليل من أهمية تصنيف «سكاي تراكس»، الذي يعتمد على تقييمات المسافرين لتجربة تشمل الخدمة والمقاعد والنظافة والوجبات والتسجيل والأمتعة وغيرها، لكن المسافر المغربي لا يعيش داخل جدول التصنيف؛ يعيش داخل الطائرة والمطار، ويدفع ثمن التذكرة من دخله، ويقيس الجودة بموعد الرحلة وسلامة أمتعته وسرعة معالجة مشكلاته.

وتقدم «لارام» أرقاماً تكشف حجم المسؤولية: فقد نقلت 8 ملايين مسافر خلال 2025، وتشغل 69 طائرة، وتربط المغرب بأكثر من 100 وجهة، كما رفعت عرضها لصيف 2026 إلى نحو 8.2 ملايين مقعد، بزيادة 23% عن صيف 2025.. إنها أرقام توسع حقيقية، لكنها تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل تنمو تجربة المسافر بالسرعة نفسها التي ينمو بها حجم الناقل؟

حين تصبح صفة «الناقل الوطني» سؤالاً اجتماعياً

هنا لا تتعلق المسألة بشركة تجارية فقط، فالدولة المغربية تملك 55.15% من رأسمال «لارام»، بينما يملك صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 44.52%، مقابل حصة خاصة لا تتجاوز 0.33%، لذلك فإن الحديث عن الناقل الوطني يحمل بالضرورة بعداً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز حساب الأرباح والخسائر.

وهنا يدخل المواطن والجالية في قلب المعادلة، فكلما ارتفعت كلفة السفر، لم يعد الأمر مجرد قرار استهلاكي، بل عبئاً على الأسر وعلى المغاربة المقيمين بالخارج، خصوصاً خلال فترات الذروة، وتحويلات الجالية التي تجاوزت 115 مليار درهم تجعل هذه الفئة وزناً اقتصادياً لا يمكن اختزاله في مجرد زبون موسمي.

المونديال لا يمكن أن يكون غطاءً للفجوة

توسيع الأسطول والشبكة استعداداً لكأس العالم 2030 والمواعيد الدولية الكبرى خيار استراتيجي مفهوم، كما أن «لارام» تواجه منافسة فعلية في السوق، ولا يصح اختزال المشهد في احتكار مطلق للسماء، لكن وجود المنافسة لا يلغي سؤال الأسعار وجودة الخدمة، ولا يعفي الناقل الوطني من امتحان الثقة.

فالبلد الذي يريد استقبال العالم يحتاج إلى ناقل قادر ليس فقط على نقل ملايين المسافرين، بل على جعل الرحلة نفسها جزءاً من صورة المغرب التي ستصل إلى هؤلاء الزوار.

الإنجاز الحقيقي يبدأ من جيب المسافر

يمكن لـ«لارام» أن تحتفل بالمركز 58، ومن حقها اعتبار استعادة 12 مرتبة مؤشراً إيجابياً، لكن الريادة لا تُقاس بالترتيب وحده، كما أن الوطنية ليست شعاراً تجارياً.

فالمعيار الأكثر قسوة وبساطة هو المسافر نفسه: “ماذا دفع؟ ماذا حصل في المقابل؟ وهل شعر أن الناقل الوطني يحترم وقته وماله وكرامته؟”

فإذا كان الانتقال من 70 إلى 58 تقدماً، فإن العودة من 58 إلى موقع يتجاوز أفضل ترتيب سابق هي المعركة الحقيقية، أما تقديم استرجاع جزء من خسارة سابقة باعتباره فتحاً جديداً، فلن يغيّر السؤال الذي ينتظر «لارام» على أرض المطار: متى يصبح الإنجاز الذي يظهر في التصنيف محسوساً أيضاً في جيب المسافر وفي مقعده وفي موعد رحلته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى